عدن بلس بقلم :د/عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري
في مسيرةِ الشُّعوب الأبيّة الساعية نحو مَجدها وتطلعاتها الوطنية الكبرى، تبرزُ شخوصٌ قيادية استثنائية، صمدت في وجه الأعاصير بثباتِ الرواسي، وراودت التحولات السياسية المعقدة بعقلانيةٍ فذة، وصبرٍ جَميل، واستشرافٍ ثاقب للمستقبل، وتتجلى تجربة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي كنموذجٍ حيّ وقراءة ملهِمة لقيادةٍ فذّة، لم تصنعها الصُّدف، بل سَكبتها سنوات النضال الطويل، وصَهرتها ميادين العمل السياسي والعسكري في قالب من التضحية والوفاء، إن القراءة الفاحصة للتحولات التاريخية المعاصرة تؤكد أن القادة الحقيقيين لا يظهرون في فترات الاستقرار العابر، بل تولد عزماتهم من رحم المعاناة، وتتشكل رؤاهم وسط دخان المعارك وضجيج الأزمات الكبرى، ومن هنا، يكتسب الحديث عن هذه التجربة أبعاداً تتجاوز السرد التقليدي للسير الذاتية، لتصبح دراسة في سيكولوجية القيادة وفلسفة الصمود، حيث تلتقي الإرادة الفردية الواعية بالآمال الجماعية العريضة لشعب بأكمله، مما يمنح هذه المسيرة شرعية تاريخية ومعنوية صلبة، تأسست عبر عقود من البذل، وتجذرت في وعي الجماهير كرمزية للخلاص والسيادة، وكعنوان عريض لمرحلة جديدة من البناء والمؤسسية، إن هذه المسيرة المغزولة بالبارود والتضحية لم تبدأ من فراغ، بل ضربت جذورها في أعماق الأرض منذ منعطف عام 1994م، ذلك التاريخ الفاصل الذي شهد محاولة طمس الهوية ومصادرة الحقوق بحد السيف وبقوة السلاح، في تلك اللحظة القاتمة من تاريخ الشعب، حين خيم الصمت والوجوم على الكثيرين، انبرى القائد عيدروس الزُبيدي في طليعة المقاومين، رافضاً منطق الفرض والإقصاء، ومؤمناً بأن الحقوق لا تُوهب بل تُنتزع، ولم يقف نضاله عند حدود الرفض النظري، بل تُرجمت هذه القناعات إلى عمل تنظيم عسكري دقيق، أثمر عن تأسيسه وقيادته لحركة المقاومة المسلحة (تقرير المصير – حتم) في عام 1996م، والتي مثّلت شعلة الكفاح الأولى والعمل الفدائي السري المنظم ضد قوى البغي والغطرسة، ومن رحم المعاناة، والصمود الأسطوري في جبال الضالع الشامخة، والتنقل في شعابها الوعرة لمواجهة آلة القمع الباطشة، خطّ القائد مساراً فريداً من التحدي والمواجهة المباشرة، دفع ثمنه ملاحقةً أمنية مستمرة، وتضييقاً ممنهجاً، وصولاً إلى صدور حكم غيابي جائر بالإعدام بحقه من قِبل النظام آنذاك في أواخر التسعينيات؛ وهو الحكم الذي لم يزده إلا صلابة وتشبثاً بخياراته، ومضى مرفوع الهامة يحمل كفنه على يده في سبيل القضية العادلة التي نذر لها حياته.
ومع تبدل أدوات الصراع وظهور التطلعات السلمية للشعب، أثبت القائد أن القائد الفذ هو من يمتلك مرونة الانتقال بين خيارات النضال المختلفة دون تفريط في الجوهر، فمع انطلاق الحراك السلمي الجنوبي المبارك في عام 2007م، لم ينكفئ الزُبيدي على أسلوب واحد، بل كان في قلب الحدث موجهاً ومسانداً ومؤطراً ومحمياً للنضال السلمي، ليجمع ببراعة واقتدار بين حكمة السياسة وجاهزية الميدان، متحملاً في سبيل ذلك مرارة التشرد والنفي والملاحقة دون أن يلين له مكسر أو تباع له ذمة في أسواق الولاءات الرخيصة، ولم يكن ليتأخر يوماً عن نداء الواجب الأخلاقي والوطني حين دعت الحاجة القصوى؛ فمع اندلاع الحرب الشاملة في مطلع عام 2015م، برز كقائد عام لجبهات الصمود والكرامة والمقاومة في الضالع، مهندساً ومخططاً ومشرفاً على العمليات العسكرية، ومحققاً أول الانتصارات الاستراتيجية الحاسمة التي كسرت غطرسة وزحف المليشيات الحوثية وحلفائها، ومسطراً بدمائه ودماء رفاقه صفحة بيضاء في سجل الانتصارات العربية، ليتجاوز أثر هذا النصر النطاق المحلي ويصبح ركيزة أساسية للأمن القومي الإقليمي، ولم تكن نهاية المعارك العسكرية إلا بداية لتحديات أخطر وأشد تعقيداً، حيث انتقل القائد مباشرة صوب العاصمة عدن عقب تحريرها، ليتولى بقرار جمهوري منصب محافظ العاصمة عدن ورئيس اللجنة الأمنية فيها، قائدًا لدفة الأمور وحافظاً للأمن والاستقرار في أحلك الظروف الإنسانية والسياسية وأكثرها حساسية وخطورة، وفي ظل ركام الدمار وغياب مؤسسات الدولة، خاض حرباً وجودية شرسة ومستمرة لتطهير المدينة من خلايا الإرهاب الأسود المتمثل في تنظيمي (داعش والقاعدة)، واللذين حاولا جاهدين العبث بانتصارات الشعب وتحويل العاصمة إلى بؤرة للفوضى والخراب، ورغم استهدافه شخصياً بعدة تفجيرات ومحاولات اغتيال غادرة وجبانة، أسفرت عن ارتقاء عدد من خيرة رفاقه وحراسه، إلا أنه خرج من كل محنة أكثر إصراراً وقوة على تثبيت دعائم النظام والقانون وبناء المؤسسات الأمنية المؤهلة، وقد توجت هذه التضحيات الجسيمة والجهود الميدانية بالمنعطف التاريخي الأبرز في 4 مايو 2017م، من خلال “إعلان عدن التاريخي”، الذي منحه تفويضاً شعبياً عارماً تولى بموجبه منصب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، ليصبح ربان الكيان السياسي والمؤسسي الجامع الذي يحمل راية القضية، ويقود القوات المسلحة المؤهلة، وينتقل بالملف من مضامير السلاح والقتال إلى أروقة الدبلوماسية الدولية والعواصم الكبرى، وصولاً إلى ترفيع مكانة القضية ومأسسة حضورها السياسي عبر شغله منصب نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ليمثل هذا التدرج القيادي اعترافاً محلياً وإقليمياً ودولياً بوزنه السياسي والشرعي كصانع قرار محوري.
ولم تقتصر عبقرية هذه القيادة الاستثنائية على البندقية وحنكة الإدارة وحسب، بل تجلت في أبهى صورها الإنسانية من خلال البُعد الاجتماعي العميق؛ حيث رعى القائد بمسؤولية أبوية مخلصة جهود الحوار الوطني الشامل، رادماً الصدوع التاريخية، ومداوياً جراح الماضي الأليم، ومكرساً مبدأ “التصالح والتسامح” كعقيدة سياسية وثقافية واجتماعية راسخة لا تنفصم، محولاً بذلك كل عناصر التنوع والتباين الطبيعي داخل المجتمع إلى مصدر قوة إضافية ولُحمة وطنية عصية على الانكسار أمام مؤامرات الأعداء، وفي الوقت ذاته، نجح الزُبيدي في تقديم القوات المسلحة التي يقودها كشريك موثوق وصادق مع المجتمع الدولي والأشقاء في التحالف العربي في حربهم ضد الإرهاب، وتأمين خطوط الملاحة الدولية الحيوية في مضيق باب المندب وخليج عدن، ليؤكد للعالم أجمع أن الحفاظ على الثوابت الوطنية الشامخة يتطلب عقلية مرنة تتقن فن التوازن الدولي وتحقيق الدبلوماسية الرفيعة دون السقوط في فخ التنازلات، غادياً بالصبر السياسي سيفاً مصلتاً للنجاح لا سمةً من سمات التراجع والخذلان، ختاماً، إنّ التاريخ بإنصافه المعهود وصيرورته الحتمية لا يخلّد في صفحاته المضيئة إلا القادة العظام الذين امتلكوا بساط الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، وتسلّحوا بالصبر الجميل في مواجهة العواصف الهوجاء والمؤامرات المتكالبة، وآمنوا يقيناً لا يخالطه شك بأن بناء الأوطان المستقرة يلزمها إرادة فولاذية صلبة، ونَفَسٌ نضالي طويل, وحكمة بالغة في إدارة المواقف والأزمات المعقدة، وفي خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة برمتها، تتسامى المسؤولية الوطنية اليوم فوق كل الحسابات الآنية والمكاسب السياسية الضيقة، ويبقى الرهان الحقيقي والضمانة المثلى لنجاح هذا المشروع متمثلة في وحدة الصف، وتلاحم الجبهة الداخلية، وتعزيز العمل المؤسسي، وترسيخ قيم الشراكة الحقيقية العادلة؛ فالحكم الفصل للتاريخ يبقى دائماً وأبداً مرهوناً بما يتحقق على الأرض من منجزات ملموسة، وبما يتركه هؤلاء القادة الملهمون من أثرٍ خالد لا يُمحى في مسيرة شعوبهم نحو الحرية الكريمة، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية الكاملة.
تعليقات الزوار ( 0 )