عدن بلس |متابعات
لم تعد الجريمة التي تواجهها الدول في عام 2026 تشبه تلك التي كانت تبحثها المنظومة الدولية عندما انطلقت مؤتمرات الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية عام 1955.
خلال أكثر من سبعة عقود، انتقلت الجريمة من أنماط تقليدية ترتبط بمكان محدد ومرتكبين يمكن تتبعهم، إلى شبكات عابرة للحدود تعمل عبر دول متعددة، واقتصادات رقمية تفتح مساحات جديدة للجرائم المالية والاحتيال، ومنصات إلكترونية أصبحت مسرحا لجرائم لا تحتاج إلى وجود الجاني والضحية في المكان نفسه.
ومع انطلاق مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي غدا السبت، 26 سبتمبر/أيلول، تبدو أهمية الحدث مرتبطة بتوقيت يتغير فيه السؤال المطروح أمام العدالة: لم يعد الأمر يتعلق فقط بكيفية ملاحقة الجريمة بعد وقوعها، وإنما بكيفية بناء منظومة قادرة على فهم جرائم تتطور بسرعة أكبر من القواعد والأدوات التقليدية لمواجهتها.
ويعقد المؤتمر في مركز أدنيك أبوظبي حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول، تحت شعار «تسريع العمل في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الناس والكوكب وتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في العصر الرقمي»، بمشاركة متوقعة بين 3000 و5000 شخص من أكثر من 97 دولة. وتتناول أجندته الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، والجرائم السيبرانية، والاتجار بالبشر والمخدرات، وغسل الأموال، والجرائم التي تمس البيئة، إلى جانب الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في العدالة الجنائية.
سبعة عقود من التحول
منذ عام 1955، تعقد مؤتمرات الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية كل خمس سنوات، لتكون منصة دولية تبحث في السياسات والاستجابات المتعلقة بالجريمة والعدالة. لكن طبيعة الملفات التي تناقشها هذه المؤتمرات تغيرت مع تغير المجتمعات والاقتصادات والتكنولوجيا.
واليوم، تأتي الدورة الخامسة عشرة في لحظة مختلفة تماما؛ فالجريمة لم تعد مرتبطة دائما بحدود جغرافية أو بمسرح جريمة تقليدي، وأصبح بعضها يعتمد على شبكات رقمية وأدوات تكنولوجية يمكن أن تعمل من خارج الدولة التي وقعت فيها الجريمة.
وتشير وزارة العدل الإماراتية إلى أن الدورة الحالية تستهدف مواجهة «التحديات الإجرامية المتغيرة»، من خلال تطوير استجابات أكثر كفاءة واستباقية، وتعزيز التعاون الدولي وتطوير منظومات عدالة قادرة على مواكبة التحولات العالمية والتكنولوجية.
جريمة بلا حدود
أحد أكبر التحولات التي تفسر أهمية المؤتمر هو أن الجريمة العابرة للحدود أصبحت جزءا رئيسيا من المشهد الجنائي العالمي. فقد يبدأ النشاط الإجرامي في دولة، وتوجد الأموال في دولة ثانية، ويكون الضحايا في دولة ثالثة، بينما توجد البنية التقنية أو الأشخاص المشاركون في دولة رابعة. وفي مثل هذه الحالات، لا تكفي أدوات دولة واحدة للوصول إلى الحقيقة أو تتبع الأموال أو جمع الأدلة أو ملاحقة المتهمين.
ولهذا يضع مؤتمر أبوظبي التعاون الدولي في قلب أجندته، بما يشمل المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المجرمين وتعزيز الشراكات بين الدول. كما يتضمن مشروع «إعلان أبوظبي» المنتظر اعتماده ملفات تتعلق بالتعاون الدولي واسترداد الموجودات ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة والفساد والجرائم المالية.
المسألة هنا ليست زيادة عدد الاتفاقيات فقط، وإنما تقليص الفجوة بين سرعة الجريمة وقدرة الدول على تبادل المعلومات والأدلة والتحرك القانوني عندما تتجاوز الجريمة الحدود.
التكنولوجيا تغير المشهد
أدخل التحول الرقمي تغييرا جوهريا على طبيعة الجريمة نفسها. فالحاسب والهاتف والمنصات الرقمية لم تعد مجرد أدوات تستخدم في الحياة اليومية، وإنما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لارتكاب الجريمة أو استهداف الضحايا أو نقل الأموال أو إخفاء الهوية أو تنفيذ عمليات احتيال واسعة النطاق.
ولهذا تأتي الجرائم السيبرانية في مقدمة الملفات التي يناقشها المؤتمر، إلى جانب الجرائم المنظمة والعابرة للحدود والجرائم المالية.
وتنظر أجندة المؤتمر إلى التكنولوجيا من زاويتين متوازيتين: أداة يمكن أن ترفع كفاءة العدالة وتساعد في تطوير الخدمات والتحقيقات، وفي الوقت نفسه مجال يمكن أن تظهر من خلاله مخاطر جديدة تتطلب تشريعات وضوابط وقدرات متخصصة.
وهذا التحول يفرض على العدالة أن تتحرك في اتجاهين في الوقت نفسه: استخدام التكنولوجيا لمواجهة الجريمة، وملاحقة الجرائم التي تستخدم التكنولوجيا نفسها.
الذكاء الاصطناعي يدخل القضاء
إذا كانت الرقمنة قد غيرت أدوات الجريمة، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة أكثر تعقيدا. فالتقنيات الذكية يمكن أن تساعد المؤسسات القضائية في تحليل كميات كبيرة من المعلومات، وتسريع الإجراءات، وتحسين الخدمات، ودعم العمل الإداري والقضائي. لكن استخدامها في المجال العدلي يطرح في المقابل أسئلة تتعلق بالخصوصية والشفافية والمساءلة والإشراف البشري.
وهذه ليست مسألة نظرية بالنسبة إلى الإمارات؛ ففي يونيو/حزيران 2026 بحثت دائرة القضاء في أبوظبي مشاريع لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن المنظومة القضائية وخدمات الكاتب العدل، مع دراسة أفضل سبل دمج الأنظمة الذكية في الخدمات القضائية.
كما ناقشت النيابة العامة الإماراتية في أغسطس/آب 2026 توظيف الذكاء الاصطناعي المساعد والأدوات الرقمية الحديثة في سير العمل القضائي والإداري، بهدف تسريع إنجاز القضايا وتحسين الأداء التشغيلي والخدمات الحكومية.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يصل إلى مؤتمر أبوظبي ليس: هل ستدخل التكنولوجيا إلى العدالة؟ بل كيف تدخل، وتحت أي ضوابط، ومن يتحمل المسؤولية عن نتائج استخدامها؟
من يحاسب الخوارزمية؟
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي تظهر أسئلة قانونية جديدة لم تكن موجودة بهذه الصورة قبل عقود.
إذا ساعد نظام ذكي في تحليل قضية أو فرز معلومات أو تقديم توصية، فكيف تضمن المؤسسة أن النتيجة لا تتضمن تحيزا؟ وكيف يمكن تفسير القرار إذا كان يعتمد على نموذج معقد يصعب على المستخدم العادي فهم طريقة عمله؟ وما حدود الاعتماد على المخرجات الآلية في مسائل تمس حقوق الأشخاص وحرياتهم؟
ولهذا يؤكد الإطار الذي تطرحه الإمارات للمؤتمر ضرورة تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والابتكار في تطوير العدالة وبين حماية الحقوق والخصوصية وتعزيز الشفافية والمساءلة والإشراف البشري.
ويأتي هذا النقاش في سياق اهتمام إماراتي أوسع بتكييف التشريعات والمنظومة القضائية مع التحولات الرقمية. فقد أكد وزير العدل الإماراتي في سبتمبر/أيلول أن تسارع التحولات الرقمية والاقتصادية يفرض تطوير التشريعات وأدوات إنفاذ العدالة لمواكبة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وأنماط الجرائم المستحدثة، مع الحفاظ على ضمانات العدالة.
عندما تسبق الجريمة القانون
من أصعب تحديات العدالة الرقمية أن التكنولوجيا يمكن أن تتغير خلال أشهر، بينما تحتاج التشريعات إلى وقت أطول حتى تدرس الظاهرة وتحدد المسؤوليات وتضع قواعد قابلة للتطبيق.
وهنا تظهر مشكلة «الفجوة التشريعية»: ماذا يحدث عندما تظهر وسيلة جديدة لارتكاب جريمة لا يغطيها النص القانوني بشكل واضح؟ وكيف تستطيع أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة الرقمية وحفظها وقبولها قضائيا، خصوصا عندما تكون البيانات موزعة بين دول وشركات ومنصات مختلفة؟
هذه التحديات تجعل تطوير القانون عملية مستمرة، لا استجابة مؤقتة لجريمة بعينها.
وتشير وزارة العدل الإماراتية إلى أن مؤتمر أبوظبي يستهدف تطوير منظومات عدالة «أكثر كفاءة وجاهزية» لمواكبة التحولات العالمية والتكنولوجية، وتحويل الحوار الدولي إلى شراكات وحلول عملية.
العدالة أمام جرائم جديدة
التغير لا يقتصر على الجرائم الإلكترونية أو الذكاء الاصطناعي. فأجندة المؤتمر تشمل أيضا جرائم منظمة وعابرة للحدود، والاتجار بالبشر والمخدرات، وغسل الأموال، والجرائم التي تمس البيئة، إلى جانب حماية الضحايا والشهود والفئات الأكثر عرضة للخطر، والعنف ضد المرأة وحماية الأطفال.
وهذا الاتساع يعكس حقيقة أن مفهوم العدالة الجنائية أصبح أكثر ارتباطا بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية.
فالجريمة البيئية، على سبيل المثال، قد ترتبط بشبكات مالية وتنظيمية عابرة للحدود، بينما قد تعتمد الجرائم المالية الحديثة على أنظمة رقمية وأدوات تحويل أموال يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.
إعلان لخمس سنوات
أهمية مؤتمر أبوظبي لا تتوقف عند المناقشات؛ إذ ينتظر أن يكون «إعلان أبوظبي» أحد أهم مخرجاته، بهدف تحديد توجهات وأولويات العمل الدولي في منع الجريمة والعدالة الجنائية خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويتكون مشروع الإعلان من أربعة محاور رئيسية: الوقاية والقدرة على الصمود، والعدالة وسيادة القانون، والتهديدات الإجرامية المتطورة والمتقاربة، والابتكار والتعاون.
وتتفرع عن هذه المحاور 18 مادة و67 فقرة، وقد جرى التوافق على 98% من النص قبل انطلاق المؤتمر، على أن يناقش ويعتمد في الجزء رفيع المستوى خلال اليوم الأول من أعمال الدورة.
ويشمل الإعلان المقترح الجرائم السيبرانية، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في العدالة الجنائية، والتعاون الدولي، والمساعدة القانونية المتبادلة، وتسليم المجرمين، واسترداد الموجودات ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة.
جيل جديد للعدالة
حتى المشاركة في صياغة مستقبل العدالة لم تعد مقتصرة على المؤسسات الحكومية والقضاة والخبراء. ففي 24 و25 سبتمبر/أيلول استضافت أبوظبي النسخة الأولى من منتدى «أصوات الشباب من أجل العدالة»، بمشاركة 62 شابا وشابة من أنحاء العالم، بينهم 31 من مجالس الشباب في الإمارات، لمناقشة أفكار وحلول عملية في منع الجريمة والعدالة الجنائية.
وتتضمن أجندة «مختبر الشباب» المصاحب للمؤتمر موضوعات مثل الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة، والثقة الرقمية، وتغير المناخ والجريمة، ومنع الجريمة والصحة، بما يعكس اتساع مفهوم العدالة ليشمل بيئة رقمية واجتماعية جديدة.
سباق بين طرفين
خلال سبعة عقود، لم تتغير الجريمة فقط، بل تغيرت السرعة التي تتحرك بها. في منتصف القرن العشرين، كان التحدي الرئيسي يتمثل في التعامل مع أنماط إجرامية يمكن تحديد مكانها ومرتكبيها ومساراتها بصورة أكثر وضوحا. أما اليوم، فقد تستطيع مجموعة إجرامية استهداف آلاف الأشخاص في دول مختلفة خلال فترة زمنية قصيرة، بينما يمكن أن تنتقل الأموال والبيانات عبر عدة ولايات قضائية في الوقت نفسه.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي، أصبحت التكنولوجيا نفسها جزءا من المعادلة القانونية؛ فهي قد تساعد المؤسسات على رفع كفاءة العمل، وفي الوقت ذاته تفرض أسئلة جديدة حول المسؤولية والشفافية وحماية الحقوق.
ولهذا يأتي مؤتمر أبوظبي في توقيت يتجاوز مناقشة «الجريمة الحديثة» إلى محاولة إعادة تعريف الأدوات التي تحتاجها العدالة نفسها.
نحو عدالة أسرع
المعادلة التي يطرحها مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر تبدو واضحة: لا يمكن مواجهة جريمة تتغير بسرعة بأدوات ثابتة. ومن هنا يركز المؤتمر على تطوير استراتيجيات قائمة على الأدلة، وتعزيز التعاون بين الدول، وبناء أنظمة عدالة تتمحور حول الإنسان وقادرة على الاستجابة للتغير، مع الاستفادة من الابتكار والتكنولوجيا دون التخلي عن الضمانات الأساسية للعدالة.
وبين الجريمة التقليدية التي شكلت أجندة المؤتمرات الأولى، والجريمة الرقمية التي أصبحت تعبر الحدود بضغطة زر، يقف مؤتمر أبوظبي أمام مرحلة جديدة: كيف يمكن للقانون أن يواكب التكنولوجيا دون أن تتحول التكنولوجيا إلى قوة تتجاوز القانون؟
ذلك هو جوهر النقاش الذي تستضيفه أبوظبي؛ ليس فقط كيف نلاحق الجريمة، وإنما كيف نبني عدالة قادرة على اللحاق بعالم تتغير فيه الجريمة وأدواتها وخطورتها بالسرعة نفسها التي تتغير بها التكنولوجيا.
تعليقات الزوار ( 0 )