عدن بلس| كتب| د. يحيى شايف الجوبعي
في لحظة فارقة من لحظات التحول السياسي العظيم وبعد مرحلة ممتدة من مخاضات الصراع والتدافع في المشهد الجنوبي جاء الخطاب الصارم والتاريخي الذي أطلقه الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي وعضو هيئة الرئاسة الأستاذ وضاح الحالمي ليشكل حدا فاصلا وخطا أحمر بين مرحلتين : مرحلة استيعاب المناورات السياسية تحت لافتة الصبر الاستراتيجي ومرحلة الانتقال إلى الحسم الناجز في مضامين الخطاب والتموضع السيادي خلف القيادة العليا للمجلس الانتقالي الجنوبي ممثلة بالرئيس المفوض عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية.
إن القراءة الفاحصة في بنية هذا الخطاب ومفرداته ذات الشحنة الوطنية العالية تفصح عن أبعاد استراتيجية ودلالات محورية تتجاوز مجرد الانفعال السياسي اللحظي لترسم بوضوح ملامح الخارطة القادمة في إدارة الصراع وتأكيد حتمية الانتصار للإرادة الشعبية الصلبة لشعب الجنوب العربي.
وهذا ما سيلحظ جليا من خلال النقاط المحورية الآتية :
أولا : إعادة التأسيس لمرجعية الشرعية الشعبية والتمكين السيادي.
يأتي الخطاب في مجمله ليؤكد حقيقة ساطعة في فلسفة الحكم والسياسة ، بأن الشرعية المطلقة والناجزة لا تستمد من التوافقات التكتيكية الهشة ولا من المظلات الاصطناعية التي تحاول القوى المعادية فرضها ، بل تولد حصرية من رحم الإرادة الشعبية الجمعية التي فوضت المجلس الانتقالي الجنوبي حاملا سياسيا برئاسة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي .
لقد تجلت هذه الدلالة في لغة الحالمي الحاسمة التي أعادت بوصلة القوة إلى الحاضنة الوطنية الفولاذية ، مبينا أن رهان الخصوم على سلب القرار السياسي للجنوب عبر افتعال كيانات موازية أو مجالس تمزيقية كرتونية إنما هو استثمار خائب وتائه في وهم يتصادم مباشرة مع جغرافيا الأرض وحقائق التاريخ ودماء الشهداء الزكية في جبهات القتال.
ثانيا : تفكيك ظاهرة البدائل الوهمية ودحر مشاريع الوصاية.
يتناول الخطاب بالتشخيص الدقيق الظاهرة الإفلاسية التي تلجأ إليها أطراف الوصاية السعودية وأذرعها من قوى الاحتلال اليمني الإرهابية الإخوانية منها والحوثية ومن يلتف حولهم ، هذه الظاهرة الخطيرة المتمثلة في محاولات استزراع أدوات الوصاية أو الكيانات المائعة لتفتيت الصوت الجنوبي الموحد.
فمن منظور الأدبيات السياسية يلحظ بأن صانعي هذا الخطاب يدركون أن صناعة البدائل الرخيصة هي بضاعة العاجز وإحدى أقدم وسائل الإضعاف السياسي ؛ ولهذا جاء التوصيف العالي النبرة ليقطع الطريق نهائيا أمام أي محاولة لمنح تلك الأطر المرتزقة أي شرعية مزيفة.
الخطاب هنا لا يكتفي بالرفض ، بل يقدم حكما قاطعا بفشلها المحتوم وهوانها أمام الصخرة الجنوبية الصماء نظرا لافتقارها التام لأي ارتباط عضوي بالتطلعات التاريخية والجماهيرية الحية لشعب الجنوب.
ثالثا :معادلة البنية الثنائية بين الإنذار الحاسم والاستيعاب الوطني.
تتجسد بلاغة الخطاب وأسلوبه القيادي في المزج المتوازن بين شدة التحذير وقوة الدعوة الوطنية ؛ إذ يلوح بالإنذار الأخير والواضح لمن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات رخيصة في مشاريع التفتيت والتآمر داعيا إياهم إلى الاستفاقة والعودة إلى الحاضنة الوطنية الجنوبية الجامعة قبل فوات الأوان وسقوطهم في مزبلة التاريخ.
هذه الثنائية تشير إلى استراتيجية احتواء اقتدارية تعتمدها القيادة الجنوبية؛ تهدف إلى سلب الخصوم والقوى المعادية أدواتهم الداخلية وفي الوقت ذاته وضع خط وطني فاصل لا يقبل اللبس ؛ فأما التموضع المشرف تحت المظلة الجامعة للإرادة الوطنية الجنوبية برئاسة الرئيس القائد المفوض عيدروس الزبيدي أو التحول إلى نسيج غريب وخائن يخرج عن المسار التاريخي والسيادي للشعب الجنوبي الثائر .
رابعا : البعد الزماني والنبرة الحازمة.
إن اختتام الخطاب بالقسم الشديد (والله ثم والله) يحمل دلالة سيكولوجية وسياسية ذات ثقل بالغ ؛ إذ ينقل الخطاب مباشرة من خانة الدبلوماسية المرنة إلى خانة الالتزام العقدي والوجودي بالقضية العادلة لشعب الجنوب العربي.
إن تحذير الأعداء والمتربصين من الخطأ الفادح في قراءة الصبر الجنوبي يمثل إشعارا ناهيا بأن السياسات التكتيكية والحسابات الضيقة قد بلغت مداها الأقصى ، وأن التحرك القادم يدار بلغة الشارع الجنوبي الثائر والدفاع المستميت عن المكاسب الوطنية والمكتسبات العسكرية والسياسية التي تحققت بدماء خيرة شبابنا والتي لا تقبل المساس أو الالتفاف أو المساومة بأي شكل من الأشكال.
إن خطاب الأمين العام وعضو هيئة الرئاسة الأستاذ وضاح الحالمي لم يكن مجرد بيان صحفي عابر ، بل كان وثيقة توجيهية وإعلان موقف تاريخي حاسم يهدف في مقامه الأول إلى تحصين الجبهة الداخلية الجنوبية ورفع الكلفة السياسية والأخلاقية والباهظة على كل من يحاول إنتاج مشاريع تجزيئية أو الالتفاف على حق الجنوب السيادي والتأكيد للإقليم وللعالم أجمع على أن إرادة الشعب الجنوبي وحامله السياسي المجلس الانتقالي بقيادة الرئيس المفوض عيدروس الزبيدي باتت هي الرقم الصعب والوحيد الذي لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها في معادلة الحل السياسي النهائي وتثبيت أركان دولة الجنوب العربي الفيدرالية القادمة.
د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
تعليقات الزوار ( 0 )