عدن بلس| بقلم د/عبدالرقيب عبدالرحمن العطري الحريري
لم تعد الأوراق مبعثرة في المشهد اليمني والجنوبي على حد سواء، بل تكشفت الستائر لتظهر الحقائق عارية أمام الجميع. إن ما تشهده الساحة الجنوبية اليوم يتجاوز حدود التباين السياسي أو المناورات الدبلوماسية المعتادة، بل هو حرب إلغاء معلنة، وشراسة تآمرية مكتملة الأركان تقودها المملكة العربية السعودية بشكل مباشر. تهدف هذه السياسة إلى كسر الإرادة الشعبية الجنوبية الحرة، وتفكيك عناصر قوتها العسكرية والسياسية، في محاولة بائسة لفرض وصاية وهيمنة مطلقة تعيد إنتاج نظام الفساد والفشل، وتفرض رموز ما يُعرف بـ “شرعية الفنادق” الهاربة والمنبطحة في الرياض كأوصياء على أرض طهرتها دماء الشهداء الزكية التي سُفكت دفاعاً عن الدين والهوية والكرامة.
تبدأ فصول هذه المؤامرة المتكاملة من دهاليز العاصمة السعودية الرياض، التي تحولت غرفها المغلقة وصالات فنادقها إلى زنازين للابتزاز السياسي الممنهج. هناك، تمارس السلطات السعودية ضغوطاً خانقة ومهينة على قيادات وأعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي، مستخدمة لغة التهديد والوعيد، والحصار الدبلوماسي والمالي، لإجبارهم على تقديم تنازلات تمس جوهر القضية الجنوبية، وصولاً إلى محاولة تفكيك المجلس وحله، أو تذويب مشروعه التحرري لصالح رشاد العليمي وحاشيته الفاسدة التي لا تملك أي شرعية حقيقية سوى صكوك الاعتماد في الخارج وقرارات التعيين الافتراضية.
بالتوازي مع هذا الابتزاز السياسي في الغرف المكيفة، تشن الرياض حرباً موازية على الأرض تستهدف السند الحقيقي للجنوب وهو قواته المسلحة والأمنية. ففي الوقت الذي تسطر فيه القوات الجنوبية ملاحم الصمود والتصدي للمليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية في جبهات الضالع وثغورها، وتعمل على تأمين الاستقرار وحفظ النسيج الاجتماعي في حضرموت والمهرة، تتلقى هذه القوات طعنات غادرة من الخلف بتدبير سعودي مباشر. يتمثل هذا الغدر في الحصار المالي الممنهج، وقطع المرتبات، ومنع التسليح والإمداد، بهدف نزع مخالب القوات الجنوبية، وإضعاف معنوياتها، وتحجيم نفوذها لصالح قوى الإخوان المسلمين وجماعات الفساد التي سلمت الشمال للحوثيين وتفرغت لنهب ثروات الجنوب.
ولم يقف الأمر عند حدود الحصار والضغط، بل انتقل إلى التواجد العسكري المباشر والمستفز؛ حيث يمثل تدفق القوات السعودية بآلياتها ومدرعاتها وثقلها العسكري إلى العاصمة عدن ومناطق وادي وصحراء حضرموت فصلاً جديداً من فصول الاحتلال المقنع. إن هذا التواجد لا يمت بصلة لحفظ الأمن والاستقرار، بل هو حبل إنقاذ عسكري وجدار حماية لشرعية كرتونية لفظها الشعب على الأرض. تحريك هذه الآليات يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض واقع عسكري يحمي المفسدين والهاربين، ويمنع أبناء الجنوب من إدارة مؤسساتهم، والاستفادة من ثرواتهم النفطية والسيادية، وإبقائهم تحت رحمة الأزمات الخدمية والاقتصادية المفتعلة لتركيعهم.
إن هذا التمادي السعودي في استهداف الجنوب، أرضاً وإنساناً ومؤسسات، يكشف عن قراءة قاصرة لطبيعة الأرض وهويتها. وتخطئ الرياض إن ظنت أن أموالها، وضغوطها السياسية، ومدرعاتها العسكرية قادرة على كسر العقيدة القتالية للقوات الجنوبية، أو تدجين شعب تجرع الموت والويلات طوال عقود ليصنع حريته واستقلاله. إن الذين هربوا من غرف نومهم في صنعاء بجلابيب نسائية، والذين ارتضوا العيش في كنف الفنادق، لن يحكموا عدن وحضرموت والضالع بقوة الدبابات السعودية. إن الشرعية الحقيقية تصنعها فوهات البنادق في ميادين الشرف، لا صفقات التنازل في الفنادق، والأرض لن تكون إلا لأصحابها الحقيقيين، والبادئ أظلم.
وفي الختام اقولها للمملكه ال سلول
بناءً على كل ما سلف، يجب على صُناع القرار في الرياض أن يستفيقوا من أوهام القدرة على هندسة مصائر الشعوب عبر صفقات الإكراه والترهيب، وأن يدركوا جيداً أن سياسة حافة الهاوية التي يمارسونها ضد الجنوب لن تجلب لهم حليفاً مستقراً، بل ستفجر تحت أقدامهم بركاناً من الغضب الشعبي الذي لا تخمد نيرانه. إن محاولات تفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي، ومساعي قمع القوات المسلحة الجنوبية وتجريدها من مكاسبها في الضالع وحضرموت والمهرة، لن تزيد هذا الشعب إلا تلاحماً وإصراراً على انتزاع سيادته كاملة غير منقوصة. فليعلم القاصي والداني أن دماء الشهداء الجارية في عروق هذه الأرض ليست سلعة في أسواق المقايضات السياسية، وأن الإرادة الصلبة التي تحطمت عليها جحافل الغزو الحوثي وحطمت غطرسة الإرهاب، هي ذاتها الإرادة التي ستقف سداً منيعاً في وجه الاحتلال الجديد مهما تخفى وراء لافتات الدعم والشرعية الزائفة. لقد ولى زمن الوصاية، وانتهت صلاحية الرهان على الأدوات المهترئة والوجوه المستوردة من أروقة الفنادق؛ فإما جنوبٌ حرٌّ أسيادُه أبناؤه، وإما خيارات مفتوحة تزلزل عروش المؤامرات، وتثبت للعالم أجمع أن الأرض تتحدث دائماً بلغة أصحابها، وأن بنادق الميدان هي وحدها من يملك صياغة المستقبل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
تعليقات الزوار ( 0 )