عدن بلس|خاص
تشهد الساحة الجنوبية مرحلة سياسية شديدة الحساسية، في ظل التحولات المتسارعة التي أعقبت حالة التراجع التي تعرض لها المجلس الانتقالي الجنوبي، وما رافق ذلك من محاولات لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في الجنوب عبر الدفع بكيانات ومكونات جديدة إلى الواجهة. وفي هذا السياق، جاء خطاب اللواء أحمد سعيد بن بريك ليكشف جانباً مهماً من طبيعة الصراع السياسي القائم، وليفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل الجنوب والجهات التي تحاول إعادة رسم معادلاته السياسية.
إن ما يُعرف بالمجلس الوطني الشبابي، والذي برز بشكل مفاجئ في المشهد، لا يمكن فصله عن حالة إعادة التموضع السياسي التي تشهدها المنطقة. فالكثير من المؤشرات السياسية توحي بأن هناك توجهاً إقليمياً، تقوده المملكة العربية السعودية، نحو صناعة مكونات بديلة وإعادة إنتاج واجهات سياسية جديدة في الجنوب، بعد حالة الإضعاف التي تعرض لها المجلس الانتقالي الجنوبي خلال المرحلة الماضية.
وفي قراءة المشهد بواقعية، فإن أي كيان سياسي يتم تشكيله بصورة فوقية، وبدعم خارجي مباشر، دون أن يستند إلى قاعدة شعبية حقيقية أو امتداد نضالي على الأرض، سيبقى عاجزاً عن تحقيق الشرعية السياسية والمجتمعية مهما حظي بالدعم الإعلامي أو المالي. فالشارع الجنوبي لم يعد كما كان في السابق، بل أصبح أكثر وعياً بطبيعة المشاريع السياسية التي تُدار خلف الكواليس، وأكثر إدراكاً لمحاولات إعادة هندسة الجنوب وفق حسابات إقليمية لا تعبّر بالضرورة عن الإرادة الشعبية الجنوبية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد ملف سياسي يمكن إعادة ترتيبه عبر الاجتماعات المغلقة أو عبر ضخ الأموال وصناعة الواجهات الإعلامية. بل أصبحت قضية مرتبطة بهوية شعب وتاريخ طويل من التضحيات، وهو ما يجعل أي مشروع سياسي لا يستند إلى القبول الشعبي الحقيقي مشروعاً هشاً ومعرضاً للسقوط عند أول اختبار جماهيري.
ومن هنا، فإن حالة الرفض الشعبي التي تواجهها الكيانات المستحدثة ليست ناتجة عن موقف عاطفي أو انفعالي، بل تعكس إدراكاً متزايداً لدى أبناء الجنوب بأن هناك محاولات لإعادة إنتاج المشهد بطريقة تتجاوز الإرادة الشعبية، وتسعى إلى خلق بدائل سياسية يتم إعدادها بعناية لتكون أدوات للمرحلة القادمة.
كما أن التحولات الأخيرة أظهرت بوضوح انتقال أدوات الصراع من المواجهة العسكرية المباشرة إلى أدوات أكثر تعقيداً، تعتمد على الضغط الاقتصادي والخدماتي والإعلامي، في محاولة لإعادة تشكيل المزاج الشعبي ودفعه نحو خيارات سياسية محددة تحت تأثير الأزمات المعيشية المتفاقمة.
وفي مقابل ذلك، يظل الشارع الجنوبي، وخاصة فئة الشباب، أمام مسؤولية تاريخية تتطلب الحفاظ على الوعي السياسي وعدم الانجرار خلف المشاريع المؤقتة أو الكيانات الطارئة التي تُبنى على المصالح الآنية أكثر من بنائها على مشروع وطني حقيقي.
إن مستقبل الجنوب لن تحدده غرف السياسة المغلقة، ولا الأموال السياسية، ولا الكيانات التي تولد بصورة مفاجئة، بل ستحدده إرادة الناس على الأرض، ومدى قدرة القوى الوطنية على الحفاظ على مشروع سياسي يعبر عن تطلعات أبناء الجنوب وقضيتهم التاريخية.
د/عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري
باحث اجتماعي وناشط سياسي
26 مايو 2026
تعليقات الزوار ( 0 )