عدن بلس|خاص
في سياق التحولات العسكرية والجيوسياسية المتسارعة التي شهدتها الساحة الجنوبية إبان الغزو الثاني عام 2015، تبرز ملحمة الضالع كأحد أعقد النماذج العملياتية في الحروب غير المتكافئة. لم تكن هذه المعركة مجرد مواجهة دفاعية عابرة، بل كانت انعطافة استراتيجية أعادت هندسة موازين القوى على الأرض، ووضعت حداً للأوهام العسكرية للقوات المهاجمة عبر ترسيخ معادلة ردع صلبة تداخلت فيها الإرادة الشعبية بالتخطيط العسكري المحترف.
يأتي هذا التوثيق ليرسم الملامح الدقيقة لتلك المرحلة الحساسة، مستنداً إلى قراءة ميدانية تفكك السياق الزمني والعملياتي للأحداث من واقع المعايشة في متارس الجبهات، وتسلط الضوء على عبقرية الإدارة الميدانية، والتلاحم القيادي والشعبي، وتضحيات قادة وبواسل الصفوف الأولى.
🔹 أولاً: الجغرافيا السياسية وحصن الجنوب ضد المد الصفوي
مع تباشير عام 2015، وجهت القوات المهاجمة (مليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح) ترسانتها العسكرية الضخمة نحو الضالع، مدفوعةً بوهم الحسم السريع لتمرير المشروع التوسعي للمد الصفوي الإيراني في المنطقة. لكن الضالع بموقعها الجيواستراتيجي وعقيدتها الصلبة لم تكن مجرد جبهة حدودية، بل كانت مركز الثقل الحرج وقفل الأمان للعمق الجنوبي، وخط الدفاع الأول عن الهوية العربية والعقيدة السوية.
اعتمدت الاستراتيجية المعادية على التفوق العددي والتسليحي الكاسح، توازيها حرب نفسية شرسة، غير أن كل هذه التكتيكات تحطمت أمام جدار الصمود الأسطوري للمدينة وحاضنتها المجتمعية.
🔹 ثانياً: الإسناد الشعبي (ملحمة القبائل والمواطنين)
قبل أي دعم خارجي، انطلقت الشرارة الأولى للنصر من وجدان الأرض؛ حيث تداعت قبائل الضالع الأبية ومواطنوها الشرفاء بكل ما أوتوا من قوة لبتر الذراع الإيرانية. وشكل المجتمع المحلي خلفية صلبة للمقاتلين، فهبّ الجميع لدعم الجبهات وتأمين خطوط الإمداد الذاتي:
جاد المواطنون بأقواتهم وأموالهم لتوفير الغذاء والماء للمرابطين في الثغور.
قدمت القبائل مخازنها الخاصة من السلاح والذخيرة، واقتسموا الرصاصة والبارود مع المقاتلين في مشهد تجسدت فيه أسمى قيم التكافل والفداء.
🔹 ثالثاً: جبهات الاشتعال والتكامل القيادي (الجليلة، الوبح، ومحيط اللواء 33)
توزع عبء المواجهة على عدة محاور استراتيجية قادها رجال أشداء، حيث تلاحمت القيادات العسكرية والسياسية والعقائدية لإطباق الخناق على تحركات العدو:
جبهة الجليلة والوبح: برز فيها الدور القيادي الصلب للمناضل صلاح الشنفرة واللواء شلال علي شائع، برفقة ثلة من القيادات الميدانية البارزة، حيث تحولت هذه المناطق إلى خطوط صدّ مشتعلة قطعت شرايين إمداد العدو القادمة من الشمال.
محور محطة قائد صالح ومحيط معسكر 33 مدرع: شهد مواجهات كسر عظم قادها بحنكة رجال المقاومة الأبطال، حيث جرى عزل قيادة المعسكر وشُلّت حركته وقدرته على المناورة.
دور رجال السلفية وأهل السنة: برز في هذه المواجهات الدور القتالي والعقائدي المتميز لبعض القيادات والشباب السلفيين من أهل السنة في الضالع، الذين اندفعوا إلى ملاحم الموت دفاعاً عن الدين والعرض والهوية، مسجلين بثباتهم في المتارس مواقف بطولية لا تُنسى.
🔹 رابعاً: الدعم اللوجستي للتحالف العربي وعبقرية الإحداثيات
مع اشتداد طوق المعركة، دخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على خط المواجهة كعمق استراتيجي حاسم لقطع دابر التمدد الإيراني. وتجلى هذا التعاون من خلال عمليات الإمداد عبر الإنزالات الجوية النوعية للسلاح والذخيرة والمعدات.
هذه الإنزالات الناجحة لم تكن لتصل بدقة إلى يد المقاتلين لولا وجود غرف عمليات وتنسيق استراتيجي محترف؛ حيث اضطلع القائد اللواء الركن عيدروس الزبيدي، واللواء شلال علي شائع، واللواء صلاح الشنفرة، بمهمة التواصل المباشر مع قيادة التحالف، وإرسال الإحداثيات الأرضية الدقيقة والمحدثة لمواقع السيطرة والإنزال، ومواقع تمركز العدو؛ مما أمّن للمقاومة تفوقاً نوعياً مكنها من الاستمرار والتحول نحو الهجوم.
🔹 خامساً: ملحمة الجمرك وبطولة الشهيد العميد الركن أحمد عامر الحريري
في ذروة التصعيد، كان محور “جمرك الضالع” في قلب المدينة يمثل نقطة ارتكاز حيوية وموقعاً شديد التحصين للعدو. وهنا برز اسم قائد حركة الجمرك، الشهيد القائد العميد الركن أحمد عامر الحريري، الذي سطر ملحمة استثنائية في الإقدام؛ إذ تقدم صفوف المقاتلين في معركة تحرير الجمرك، واقتحم الموقع مستبيحاً النيران، وأصيب إصابة بالغة وهو في خط النار الأول يصنع بدمائه فجر التحرير.
🔹 سادساً: التراتبية القيادية ووصية “أبو عبد الله”
في سياق التنظيم العسكري الصارم، أوكل قائد المقاومة الجنوبية في الضالع، اللواء الركن عيدروس الزبيدي، مهمة القيادة الميدانية وإدارة مسرح العمليات إلى العميد الركن عمر ناجي “أبو عبد الله”، الذي أثبت جدارة فائقة في صياغة العقيدة القتالية وتثبيت مفاهيم الانضباط.
وفي غمرة اللمسات الأخيرة لمعركة اقتحام معسكر الجرباء (مركز الثقل العملياتي للعدو)، ومع تعذر الغطاء الجوي في التوقيت المحدد، تقرر الاعتماد الكامل على القدرات الأرضية الذاتية. وتذكر الروايات الميدانية أن القائد “أبو عبد الله” أرسى قواعد الاستخلاف القيادي لحماية زخم المعركة، حيث أوصى سريته قائلاً:
“إذا سقطتُ شهيداً، فليتولَّ القيادة من بعدي القائد غازي عبدالله مثنى الفقيه الزبيدي.”
🔹 سابعاً: ليلة الحسم.. ساعة الصفر وبسالة شباب المدينة
مع حلول منتصف الليل، انطلقت العملية الهجومية الكبرى تحت الرمز السيادي والدلالي الحاشد “عدن حضرموت”، متدفقة عبر عدة محاور متزامنة شلت قدرة العدو على القيادة والسيطرة.
وهنا، تجلت الملحمة التاريخية الكبرى لشباب مدينة الضالع الأبطال؛ هؤلاء الفتية الذين تحولوا إلى أسود كاسرة داخل أحياء وشوارع المدينة، فخاضوا حرب شوارع خاطفة وبسالة منقطعة النظير لإسناد الخطة الهجومية العامة.
وفي خضم هذه الاشتباكات الضارية من مسافة صفر، تعرض القائد الميداني العميد الركن “أبو عبد الله” لإصابات بليغة، وبينما كان ينزف في الميدان، صاح في السرية والمقاتلين بشعار الثبات:
⚠️ “لا.. لا تتراجعوا.. حتى وإن متت، عليكم التقدم والثبات!”
ففجرت كلماته طاقات المقاتلين، وتحول خبر استشهاده لاحقاً إلى قوة دفع كاسحة أسقطت المعسكرات، وكسرت المنظومة الدفاعية للعدو، ليتهاوى حصنه الأخير في الضالع وتتحرر المحافظة بالكامل.
🔹 ثامناً: ميثاق الدم.. كلنا جسد واحد وعقيدة واحدة
إن الوفاء لأرض الضالع والجنوب يفرض علينا ألا نغفل حقيقة كبرى؛ فإن نسينا أو قصرت السطور عن ذكر اسم أي بطل من صناع هذا المجد، فإن أبناء الضالع والجنوب كانوا وما زالوا جسداً واحداً، وإخوة في السراء والضراء.
لقد قاتل الجميع على هدف واحد، وانطلقوا من عقيدة صلبة وصادقة:
عقيدة الدين والذود عن الإسلام الحنيف وحمايته من التزوير والتزييف والتفتيت.
حماية الأرض والعرض لإنهاء وفك الطوق عن بلادنا من المد الفارسي الحوثي الذي جاء مستبيحاً ومستهدفاً هويتنا ووجودنا.
إن ذكرنا لبعض القادة والشهداء الكبار الذين تركوا بصمات تاريخية في القيادة الميدانية لا يعني أبداً نسيان البقية؛ فكل شهداء الجنوب هم أبطال ميامين. إن أكثر من 260 شهيداً سقطوا في الضالع هم تيجان على رؤوسنا، ولهم منا كل الحب والإجلال والاحترام. هم يعيشون في سويداء قلوبنا، ولن ننساهم ما حيينا، فهم الذين طهروا هذه الأرض بدمائهم الزكية، وحفظوا بمهجهم كرامة هذا الوطن.
🔹 الـخـاتـمـة: إرث الردع وصناعة التاريخ
إن ما شهدته الضالع في ذلك العام الاستثنائي لم يكن حدثاً عسكرياً عابراً، بل كان مدرسة عسكرية متكاملة الأركان ومثالاً حياً لـ “حرب الشعب”. لقد أثبتت هذه الملحمة أن الإشراف والتخطيط الاستراتيجي للقيادة العليا ممثلة باللواء عيدروس الزبيدي، وتنسيقه الرفيع مع التحالف العربي، مسنوداً بالالتحام الميداني للقادة كاللواء شلال شائع والمناضل صلاح الشنفرة، والتضحيات الخالدة للشهداء كأحمد عامر الحريري وعمر ناجي “أبو عبد الله”، وبسالة شباب المدينة، وبطولات رجال السلفية من أهل السنة، وقبل ذلك كله الدعم اللوجستي والمادي المطلق من القبائل والمواطنين، كلها عوامل انصهرت لتصنع معجزة النصر وتكسر عنجهية المد الحوثي الصفوي.
لقد أسست معركة الـ 75 يوماً في الضالع لـ “معادلة الردع” الاستراتيجية، وتظل تداعيات هذا الانتصار ومفاعيله السياسية والعسكرية ترسم ملامح الواقع وتصون توازنات العروبة حتى يومنا هذا.
✍️ بقلم: د. عبد الرقيب عبد الرحمن مسعد قحطان العطري الحريري
باحث اجتماعي وناشط سياسي – وشاهد عيان من قلب الجبهة
تعليقات الزوار ( 0 )