عدن بلس بقلم/ د. عبد الرقيب االعطري الحريري
تولد اللحظات التاريخية العظمى من رحم المعاناة المتراكمة، وتصاغ مصائر الشعوب بمداد من التضحيات التي لا تقبل البيع والشراء في أسواق المراهنات الإقليمية. وحين ظنت السياسات السعودية أن انشغال شعبنا بتجاوز آثار الأزمات المتلاحقة سيتيح لها فرصة الانقضاض على سيادته وتحويله إلى ورقة ضغط، سقطت في فخ القراءة الخاطئة لجغرافيا الحرية وأعراف الكرامة المتجذرة في هذه الأرض.
إن السيادة الوطنية ليست صكاً يُوقّع في كواليس “اللجان الخاصة”؛ بل هي حق معمد بدماء الشهداء. ومن هنا، فإن محاولات فرض التبعية المقنّعة، واحتجاز القرار الاقتصادي، والسيطرة على المنافذ والمطارات والممرات المائية كوسيلة لتركيع الإرادة الشعبية، قد كشفت الوجه الحقيقي للمشاريع التوسعية التي وصلت اليوم إلى خط النهاية.
على وقع هذا الوعي المتجذر، وفي لحظة فارقة من لحظات التحول، يخرج أبناء الجنوب الأحرار غداً في مليونية غضب عارمة تشعل الأرض تحت أقدام الطامعين، وتلتحم الميادين بصوت واحد يزلزل عروش الوصاية في جغرافيا ممتدة لا تعرف الانكسار.
فمن ساحة العروض في العاصمة عدن، إلى بوابات المهرة الأبية، ومن وديان وسواحل حضرموت وصولاً إلى أرخبيل سقطرى الصامد، ومن يافع المدد والمدد الحاسم، وردفان الثورة والشموخ، ولحج الإباء، وأبين الكرامة والبسالة، إلى ضالع الصمود والتحدي، وشبوة التاريخ والثروة؛ تلتئم الحشود لتعيد للساحات زئيرها مدوية: “لا للاحتلال السعودي، ولا للإملاءات الخارجية!”
محددات الانتفاضة الوطنية
إن هذه المليونية العارمة تأتي لترسيخ ثلاثة محددات رئيسية لا تقبل المساومة أو التنازل:
الرفض القاطع للوصاية السعودية: إن زمن التبعية للقرار الخارجي وخضوع الإرادة لإملاءات السفراء قد ولى إلى غير رجعة، وقرار الجنوب يصنعه الرجال في ميادين الشرف فقط.
مناهضة التواجد العسكري المقنّع: لم يتحرر هذا الشعب من غطرسة الأمس لكي يقع اليوم تحت رحمة تحكم جديد بمطاراته، وجزره، وثرواته السيادية، ومقدراته الاقتصادية.
التأكيد المطلق على حق تقرير المصير: إن حقنا في اختيار مسارنا وتحديد مستقبلنا السياسي وبناء دولتنا المستقلة كاملة السيادة هو حق مقدس تكفله المواثيق الدولية، وليس مكرمة من أحد.
إن هذه المليونية تمثل نقطة تحول استراتيجية وإعلاناً واضحاً عن مرحلة الفعل الشعبي الحاسم الذي يفرض المعادلات على الأرض، وهي رسالة موجهة إلى الإقليم والمجتمع الدولي بأن أي حلول أو تسويات سياسية تتجاوز الإرادة الحقيقية للشعب، أو تحاول إبقاءه تحت مظلة الإملاءات، هي حلول ولدت ميتة ولن تجد لها مكاناً على أرض الواقع.
ويجب أن تدرك الدوائر السياسية في الرياض أن سياسة حرب الخدمات، وحظر التنمية، واستخدام لقمة العيش كأداة للضغط السياسي لتركيع هذا الشعب، قد ارتدت عكسياً وأسفرت عن هذا الطوفان البشري الغاضب. فالشعوب التي واجهت الموت بصدور عارية لن تقبل بالمقايضة على حريتها مقابل وعود اقتصادية زائفة تُستخدم كغطاء للتمدد والنفوذ العسكري والأمني في المحافظات الحيوية والمنافذ الاستراتيجية.
ونؤكد ختاماً، أن قطار التحرر الشامل والاستقلال الناجز قد انطلق بوحي الإرادة الشعبية العارمة، ولم يعد بإمكان أي قوة، مهما تعاظمت غطرستها أو كثرت أموالها، أن توقفه أو تغير مساره. إن حضوركم غداً هو استفتاء شعبي حاسم وصفعة مدوية على وجه كل من يحاول مصادرة سيادتنا، ولتعلم قوى الوصاية والهيمنة أن هذه الأرض كانت وستبقى عصيةً على التبعية، وأن القرار الوطني المستقل هو الخط الأحمر الذي دونه الأرواح والدماء.
تعليقات الزوار ( 0 )