عدن بلس.. د/عبدالرقيب العطري الحريري

تمر الشراكة الإقليمية في المشهد اليمني بمنعطف بنيوي خطير، يتطلب مكاشفة سياسية صريحة لتقييم مسارات التحالفات الراهنة. إن محاولات بعض الدوائر وصناع القرار إخضاع التوازنات الميدانية لسياسات الضغط والابتزاز، بدلاً من التنسيق المشترك، باتت تهدد بوضوح أمن المنطقة، وهو ما تجلى في طريقة إدارة الدوائر السعودية لملف الاتهامات الأخيرة الموجهة ضد المجلس الانتقالي الجنوبي.

إن ما شهدته الساحة السياسية على مدار سبعة أشهر كاملة يمثل سقوطاً مدوياً لآليات التقييم والاستخبارات التابعة لـ”اللجنة الخاصة” السعودية؛ حيث هُدرت مقدرات مالية ضخمة في ملاحقة تقارير واهية وسراب سياسي، ظناً من القائمين عليها إمكانية صياغة ملف إدانة ضد المجلس الانتقالي الجنوبي. لقد بدا واضحاً أن أجهزة صناعة القرار في الرياض ارتهنت لتقديرات مضللة استُقيت من منصات التواصل الاجتماعي وحملات إعلامية افتراضية تم تمويلها لسنوات بلا طائل.

لقد وقعت الدوائر المعنية في الرياض—وتحديداً قيادة اللجنة الخاصة—في فخ التضليل الأمني والسياسي، بعد أن تحولت مكاتبها إلى ساحة استقطاب لشبكات من النفعيين والانتهازيين الذين سوّقوا وثائق مفبركة وتقارير استخباراتية كاذبة مقابل مبالغ طائلة، مما دفع السلطات السعودية لاحقاً إلى احتجاز هؤلاء المخبرين في الرياض بعد انكشاف زيف ادعاءاتهم، في إقرار ضمني بعجز وفشل أدواتها الميدانية.

وحين اصطدمت الاستراتيجية السعودية بحقائق الواقع، وجاءت تقارير النيابة العامة والجهات القضائية المستقلة لتؤكد بطلان ادعاءات “السجون السرية”، وأن كافة مراكز الاحتجاز تخضع للقانون وبتنسيق كامل، اندفعت الرياض نحو خيار يتسم بالاندفاع والافتراء السياسي عبر محاولة تدويل الملف ونقله إلى مجلس الأمن الدولي؛ وهي خطوة أسفرت عن انتكاسة دبلوماسية جديدة للمملكة وعكست قصوراً حاداً في قراءة الموقف الدولي التمسك بالحقائق.

ومع انسداد الأفق الدبلوماسي، لم يتبقَّ في جعبة الأدوات السعودية سوى الارتداد إلى المربع الأول: تحريك الآلة الإعلامية المأجورة لإعادة تدوير السرديات المفبركة. إلّا أن المقاربة الرصينة والحصيفة للمجلس الانتقالي الجنوبي تمثلت في احتواء هذا التصعيد الهش لشهور، قبل أن يتدخل في التوقيت المناسب عبر وثيقة رسمية وبيان سياسي قاطع، مجهضاً بذلك كامِل المخطط التآمري، ومحولاً ذلك الضجيج إلى شهادة فشل ومأزق استراتيجي مزمن للسياسة السعودية في إدارة علاقاتها مع الحلفاء الأرض.

تثبت هذه التطورات أن الاعتماد على مصادر معلوماتية مشبوهة وأدوات بالية للاستقطاب لا يمكن أن يصنع واقعاً سياسياً، بل يؤدي إلى تعميق فجوة الثقة وتآكل مصداقية الأطراف الإقليمية. إن استقرار المنطقة يفرض على الأشقاء في المملكة العربية السعودية إجراء مراجعة جذرية وشاملة لهياكل “اللجنة الخاصة”، والانتقال من عقلية الوصاية والضغط الالتفافي إلى الإقرار بالواقع السياسي والعسكري على الأرض، واحترم الإرادة الوطنية لشعب الجنوب كشريك كفء وندّي لا يمكن تجاوزه أو إخضاعه.