صادف يوم طوفان الأقصى في السابع من الشهر الجاري، الذكرى الخمسين لحرب تشرين عام 1973 التي شهدت طوفان عبور الجيش المصري لحاجز خط بارليف المنيع في قناة السويس، كذلك هجوم الجيش العربي السوري على مواقع الجيش الاسرائيلي قبل أن يتدخل الجيش العراقي لصالح سورية و كذلك تدخل القوة الجوية العراقية لصالح مصر بالتزامن مع قطع إمدادات نفط المملكة العربية السعودية عن الغرب في محاولة لزيادة الضغط على الغرب في هذه الحرب، و بالتالي كان انتصار العرب الوحيد على اسرائيل.

ولأن التاريخ ربما قد أعاد نفسه في الحربين في التشابه من حيث عنصر المفاجأة و كذلك التشابه حتى في الاقتحام وأسر الجنود الإسرائيليين في حرب تشرين وفي طوفان الأقصى كذلك، فإن مناصري القضية الفلسطينية توقعوا أن ما يجري يختلف تماماً عن المرات السابقة في حروب تكتيكية تنتهي دوماً بتدمير غزة واستشهاد المئات من أبنائها .
توقع الجميع أن ما يجري هي الحرب المباغتة لمحور المقاومة كما هي الحرب المباغتة للجيوش العربية ضد إسرائيل في تشرين عام 1973 .
صُدمنا صدمة الفرحة والغبطة عندما رأينا الجنود الإسرائيليين يقادون إلى الأسر على أيدي المقاومة الفلسطينية كما جرى في حرب تشرين أو ما أسمتها اسرائيل ( حرب الغفران ) نسبةً لأن الحرب حدثت في يوم احتفال ديني يهودي.
زادت الغبطة والفرح عندما شاهدنا صورا ومقاطع فيديو تجول المقاومين في مستوطنات غلاف غزة، فقلنا إنها البداية لحرب التحرير، وإن الجبهات ستُفتح على مصراعيها، وأن التهديدات السابقة بمحو اسرائيل من الخريطة خلال ساعات بعد ارتكابها لأي حماقة حسب ما تقول إيران ذلك دوماً، سيكون ذلك فعلاً بعد ارتكاب إسرائيل لأول حماقة لها في غزة كرد فعل على الجرأة في هذه العملية الحمساوية التي لم يسبق لها مثيل، غير أن الذي يحدث الآن هو أن حماس تقاتل وحدها، وأطفال غزة يبادون بطريقة بشعة!

لا يُلام العرب؟!

وعلى عكس ما يقوله الكثير من المتعاطفين مع القضية الفلسطينية أثناء وبعد كل نكسة أو حرب مدمرة بأن العيب على الحكام العرب أو غيرهم، فنقول:
لا يُلام العرب، لأن العرب كما كتبنا مراراً منذ بداية الحرب، أيقنوا منذ زمن أن لا حل للقضية الفلسطينية إلا بمفاوضات حل الدولتين على حدود العام 1967، يشارك العرب في خيار المفاوضات هذه، منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت أول من رفع السلاح بوجه الاحتلال الإسرائيلي وتعرضت قياداته للإغتيال في الأراضي الفلسطينية والمهجر وتعرضت كذلك لحرب مباشرة ضد إسرائيل في الأراضي اللبنانية عام 1982 ، قبل أن تركن المنظمة بزعامة ياسر عرفات إلى المفاوضات في بداية تسعينيات القرن الماضي، بمعنى أن العرب ومنظمة التحرير الفلسطينية قد أيقنوا أن مقولة ( رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه) هي الواقع في الصراع العربي- الإسرائيلي كما في حرب تشرين والتي اضطر السادات فيها لوقفها واكتفى بجزء من النصر لأنه شاهد أن الحرب بين مصر وأميركا وليست اسرائيل فقط، ولهذا فاوض وأخذ باقي أرضه !

كذلك لا تُلام ما تسمى أدوات إيران في المنطقة من فصائل المقاومة في العراق ولبنان وسوريا ولبنان واليمن، فهؤلاء قرارهم العسكري في طهران وليس في بلدانهم، أما تحركاتهم في جنوب لبنان ضد اسرائيل وشرق سوريا وغرب العراق ضد القواعد العسكرية الأميركية ما هي إلا ضربات لا ترقى أن تكون بمستوى الحدث الذي يحصل من جرائم حرب إسرائيلية في غزة، ربما هي ضربات نفذتها الفصائل بسبب الإحراج الذي تتعرض له، أو لنقول إن ما تفعله هو لحفظ ماء الوجه أمام ما يحدث، وبطبيعة الحال هو المستطاع على حسب إمكانياتها بالمقارنة مع إمكانية الترسانة العسكرية للدول، ومن غير المستبعد أن ضربات هذه الفصائل هي بمعزل عن إيران و من دون قرار منها، وهذا فعلاً ما تدعيه إيران مراراً في هذه الحرب عبر مسؤوليها .

إيران هي من سلحت حماس ودعمتها مادياً ومعنوياً وقامت ببناء الترسانة والعقيدة العسكرية لها كما قامت قبل ذلك ببناء الترسانة العسكرية لحزب الله في لبنان والفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، وهي من تعيد بناء هذه الترسانة العسكرية لحماس بعد كل حرب مع إسرائيل، كما يقوم العرب بالمقابل ببناء مدينة غزة من جديد بعد كل حرب!
وإيران هي الحليف الرئيسي لحماس، حماس الذي قام بطرد منظمة التحرير الفلسطينية من غزة والتي كانت مقربة من المزاج السياسي العربي بخصوص التفاوض مع إسرائيل، مع ذلك وعلى غير عادة المتحالفين في الحروب الكبرى، لم نجد في هذه الحرب الكبرى استعداداً إيرانيا فعلياً للدخول في حربٍ ضد إسرائيل نصرةً لحماس كما جرى مع نصرة الولايات المتحدة الأميركية لحليفتها أو لنقل (ربيبتها) إسرائيل في هذه الحرب وكذلك الحروب السابقة.

لا تتعدى نصرة إيران لحماس غير حملة إعلامية وجهود دبلوماسية كبيرة يقودها وزير الخارجية الإيراني من أجل إيقاف الحرب عند الحد الذي تقف عنده، وتجنب الوصول لصراع شامل بين إسرائيل وإيران وأذرعها وبالتالي وصول نار الحرب الى إيران نفسها، والتي منذ 1988 وهو عام انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وهي لا تحارب بجنودها، بل تحارب عن طريق أذرعها في المنطقة التي استطاعت خلقهم نتيجة سياستها الناجحة في التعامل مع الآخرين وهي سياسة (تصدير الثورة)، هي سياسة ناجحة لهيمنة إيران على المنطقة لكن الوقت ذاته هي سياسة تسببت بفتن داخلية في البلدان التي صُدرت لها هذه الثورة كما يرى ذلك بعض المراقبين .

اليوم، وصل الأمر أن وزير الخارجية الإيراني قد نفى جملة وتفصيلا أن تكون لإيران علاقة مباشرة أو غير مباشرة بطوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر، بل قال حسين أمير عبداللهيان وزير الخارجية الإيراني لشبكة cnn الأميركية، (أن عملية طوفان الأقصى كانت قراراً فلسطينياً خالصاً واتخذوه لوحدهم من دون مشاورة أحد)، في إشارة لعدم معرفة الإيرانيين بما حدث في ذلك اليوم.

قد يكون تصريح وزير الخارجية الإيراني من باب سياسي كونه وزيراً للخارجية وراعيا للدبلوماسية التي تحاول إطفاء حرائق الحروب، لكن من غير المفهوم أن في وقتٍ سابق هدد المرشد الإيراني علي خامنئي لعشرات المرات وكذلك قادة الحرس الثوري الإيراني لمئات المرات بتدمير اسرائيل خلال ساعات قليلة في حال ارتكابها أي حماقة، ومع ذلك حماقات اسرائيل تجاوزت لغاية هذه اللحظات ثمانية آلاف شهيد نصفهم من الأطفال في غزة، لكن رغم ذلك إيران تأمل إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار وإعادة الأمور الى ما قبل يوم 7 أكتوبر هذا إن عادت فعلاً !

الحل في اللا حل!

وبناءً على هذا، ما الهدف الإيراني مما حدث والذي أدى إلى استشهاد آلاف الفلسطينيين غالبيتهم من الأطفال والنساء؟
وأقول الهدف الإيراني أولا قبل حماس، لأن الجميع يعرف جيداً، لولا إيران لما ملكت حماس هذه الترسانة من الصواريخ ومن الدعم اللوجستي الذي منحها عنصر المباغتة والنجاح الساحق في يوم 7 اكتوبر.
وهنا نتساءل:

لماذا تريد إيران وقف الحرب بعد دخول حماس بهذا الثقل في المعركة، وحماس وايران تدركان جيداً أن ضريبة هذه الحرب ستكون كبيرة في حال عدم المضي فيها ودخول حرب شاملة لإيران ضد اسرائيل بوجود محور المقاومة وسورية وفتح جميع الجبهات على اسرائيل ربما حتى من خارج محور ايران إن أصبحت فعلاً حربا شاملة؟

هل أرادت إيران عبر حماس (تأديب) اسرائيل فقط رداً على ضرباتها داخل العمق الإيراني لمرات عدة ومنها حتى اغتيال المسؤول الأول عن الملف النووي الإيراني؟
ولماذا لم تحسب حماس حساب البطش الصهيوني بعد هكذا عملية بطولية كلنا نتفق على شجاعتها، هل استشهاد الآف الأطفال ثمن يساوي هذه العملية فقط من دون إكمال الطريق والوصول للهدف المنشود الذي تقول به حماس وإيران دوماً وهو تحرير فلسطين؟
هل أنّ إيران تفضّل مبدأ ( اللا حل ) لتبقى المشكلة معلقة وهو أفضل لها من الحل بالمفاوضات أو بالحرب الشاملة؟

وفي النهاية، هل ستعود غزة بعد انتهاء الحرب كما تريد إيران مع بقاء حماس؟

هي أسئلة تحتاج لأجوبة إيرانية، لكن الواضح تماماً أن جريمة الحرب الاسرائيلية في غزة لن تبقي ولا تذر كي نفكر أصلاً بهذه الاسئلة!