عدن بلس|متابعات

بعد أكثر من شهر من المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، توصلت أمريكا وإيران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.

وبحسب تقرير لـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن الخطوة تعكس رغبة تكتيكية في احتواء التصعيد، لكنها لا ترقى إلى مستوى تسوية سياسية شاملة.

فالهدنة الحالية، رغم أهميتها في خفض حدة العمليات، تأتي في سياق إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتقاطع ملفات النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية، مع حسابات الردع والهيبة لدى جميع الأطراف.

وفي ظل جولات تفاوضية شاقة، تبرز 6 مسارات رئيسية ستحدد ما إذا كانت هذه الهدنة تمثل بداية مسار سياسي طويل، أم مجرد توقف مؤقت في صراع مرشح للاستمرار.

هدنة تكتيكية أم إطار لتسوية أوسع؟
حتى اللحظة، لا يتجاوز الاتفاق كونه وقفًا للأعمال القتالية، دون أي التزامات سياسية ملزمة أو جدول زمني لمعالجة جذور الأزمة.

وتبقى القضايا الخلافية الأساسية دون تقدم، وفي مقدمتها البرنامجان النووي والصاروخي الإيراني، وشبكة التحالفات الإقليمية التي تقودها طهران، إلى جانب ملف الحريات الداخلية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

في المقابل، تسعى إيران إلى تحقيق مكاسب استراتيجية واضحة، تشمل رفع العقوبات الاقتصادية، والاعتراف الدولي بحقها في تخصيب اليورانيوم، ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الساحة اللبنانية، إضافة إلى مطالب مستجدة مثل التعويضات وإعادة تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وهذا التباين الحاد في الأهداف، مقرونًا باعتبارات السياسة الداخلية لدى الطرفين، يجعل من المرجح أن تتحول الهدنة إلى صيغة «تجميد نزاع» طويل الأمد، بدلًا من حلّه.

الملف النووي.. نقطة الارتكاز في الصراع
يظل البرنامج النووي الإيراني جوهر الخلاف الاستراتيجي، فيما تدفع الضربات التي استهدفت منشآت نووية خلال جولات التصعيد الأخيرة إيران إلى إعادة التموضع، سواء عبر إعادة توزيع البنية التحتية أو تعميق الطابع السري لبعض الأنشطة.

 

وتؤكد طهران تمسكها بالطابع السلمي لبرنامجها، لكنها في الوقت ذاته ترفض التخلي عن حق التخصيب، وهو ما تعتبره واشنطن وتل أبيب تهديدًا مباشرًا، ويزيد من تعقيد المشهد تداول روايات متضاربة حول تفاهمات غير معلنة بشأن هذا الحق.

لبنان.. ساحة الاشتباك المفتوحة

رغم سريان الهدنة على الأراضي الإيرانية، فإنها لا تشمل فعليًا الجبهة اللبنانية، حيث تواصل إسرائيل عملياتها ضد حزب الله ضمن ما تعتبره «تحييدًا للتهديدات الحدودية».

وقد أدت هذه العمليات إلى خسائر بشرية كبيرة ونزوح واسع النطاق، فضلًا عن تدمير ممنهج للبنية التحتية.الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وفي حين تهدف إسرائيل إلى إنشاء منطقة عازلة وتعزيز أمنها الحدودي، فإن التداعيات على الداخل اللبناني تبدو أكثر تعقيدًا، مع تسارع تآكل مؤسسات الدولة.

الإرهاب والرد غير المتماثل
في ظل القيود التي تفرضها الهدنة على المواجهة المباشرة، تبرز احتمالات لجوء إيران أو حلفائها إلى أساليب غير تقليدية، بما في ذلك العمليات السرية أو الهجمات عبر وكلاء.

وتاريخيًا، استخدمت طهران هذه الأدوات لفرض كلفة على خصومها دون الانزلاق إلى حرب شاملة، غير أن البيئة الحالية تختلف، في ظل اختراقات استخباراتية كبيرة كشفت عنها العمليات الأخيرة، ما قد يحد من فعالية هذه الخيارات.

وفي المقابل، فإن أي هجوم ناجح على أهداف غربية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعبئة الرأي العام الدولي وتوسيع دائرة المواجهة، وهو ما يجعل حسابات التصعيد أكثر تعقيدًا وحساسية.

تداعيات
أحد أبرز التداعيات غير المباشرة للحرب يتمثل في تأثيرها على علاقات الولايات المتحدة بحلفائها، فقد أثار التحرك العسكري دون تنسيق واسع مع الشركاء الأوروبيين انتقادات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة في ظل التكاليف الاقتصادية المتزايدة عالميًا.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

«الحرب بين الحروب».. نمط الصراع القادم

حتى في حال استمرار الهدنة، فإن المؤشرات ترجح انتقال الصراع إلى نمط طويل الأمد منخفض الحدة، قائم على الضربات المحدودة، والهجمات السيبرانية، والعمليات غير المباشرة.

وتعتمد إسرائيل هذا النهج منذ سنوات ضمن عقيدة “الحرب بين الحروب”، الهادفة إلى منع الخصوم من تطوير قدراتهم.

وتعزز الضغوط الداخلية لدى الطرفين هذا الاتجاه، حيث يُستخدم التوتر الخارجي كأداة لإدارة الأزمات الداخلية، سواء الاقتصادية في إيران أو الأمنية والسياسية في إسرائيل.

ومع بقاء عوامل التوتر دون معالجة، واستمرار تضارب المصالح الإقليمية والدولية، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة من «الاستقرار الهش»، حيث تتراجع احتمالات الحرب الشاملة مؤقتًا، دون أن تختفي، في ظل دورة مستمرة من التصعيد والاحتواء يصعب كسرها في المدى المنظور.