عدن بلس|تقرير/فاطمة اليزيدي

كيف تحوّل عيد الأضحى في الجنوب من موسم فرحٍ ورحمة إلى موسم وجعٍ وعجزٍ وانكسار؟!

من أوصل أسعار الأضاحي إلى هذا الجنون الذي حاصر الفقراء وخنق البسطاء؟!

أي عيدٍ هذا الذي يدخل فيه الأب عاجزًا عن شراء أضحيةٍ لأطفاله؟!

ولماذا أصبح المواطن الجنوبي يقف مذهولًا أمام أسواق المواشي وكأنه أمام بورصةٍ لا سوقًا شعبيًا؟!

في كل عام كان عيد الأضحى في الجنوب يحمل رائحة الفرح، وتفاصيل التكافل، وأصوات الأطفال وهم يركضون خلف الأضاحي في الحارات والأسواق، لكن هذا العام بدا المشهد مختلفًا وموجعًا بصورة غير مسبوقة.

الغلاء يلتهم كل شيء، وأسعار الأضاحي تقفز بجنونٍ مرعب، حتى أصبحت الأضحية حلمًا بعيد المنال لآلاف الأسر الجنوبية التي أنهكتها الأزمات المتلاحقة والحروب والانهيارات الاقتصادية.

اليوم، لا يسأل المواطن الجنوبي عن نوع الأضحية أو حجمها، بل يسأل بحسرة:

كيف يمكن النجاة من هذا العيد بأقل قدرٍ من الانكسار؟

أسواق المواشي تتحول إلى ساحات صدمة جماعية:

قبل أسابيع من عيد الأضحى، بدأت الأسواق الجنوبية تشهد موجة ارتفاعٍ غير مسبوقة في أسعار الأغنام والأبقار، وسط حالة ذهول وغضب شعبي واسع.
مواطنون يدخلون الأسواق بقلوب مليئة بالأمل، ثم يغادرونها بأعين مثقلة بالعجز والخيبة.

أصبحت الأسعار أشبه بكارثة حقيقية، فالأضحية التي كانت في متناول المواطن البسيط تحولت إلى عبءٍ يفوق قدرة الموظف ورب الأسرة وحتى أصحاب الدخل المتوسط.

المشهد الأكثر قسوة ليس في ارتفاع الأسعار فقط، بل في نظرات الأطفال وهم يسمعون آباءهم يرددون:
“هذا العام لا نستطيع.”

الراتب يتآكل.. والأسعار تلتهم ما تبقى من كرامة الناس:

في الجنوب اليوم، يعيش المواطن بين نارين:
رواتب منهارة لا تكفي لأيام قليلة، وأسعار ترتفع بلا رحمة في كل شيء؛ الغذاء، الدواء، المواصلات، والآن حتى شعيرة الأضحية التي كانت رمزًا للفرح والتقرب إلى الله.

أصبح الموظف ينتظر راتبه ليكتشف أنه تبخر قبل أن يصل إلى يده، بينما تواصل الأسواق ارتفاعها المجنون بلا أي رقابة حقيقية توقف هذا العبث المرعب.

كيف يمكن لأسرةٍ كاملة أن تواجه عيد الأضحى وهي بالكاد تؤمن الخبز والماء والكهرباء؟!

وكيف يمكن للعيد أن يبقى عيدًا بينما الفقر يقتحم البيوت من كل الأبواب؟!

تجار الأزمات يوسّعون جراح الناس:

في كل أزمة يظهر من يحوّل معاناة الناس إلى تجارة سوداء.
هناك من استغل اقتراب عيد الأضحى لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، ضاربًا بكل القيم الإنسانية عرض الحائط.

الجنوب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجشع، بل يحتاج إلى رحمة حقيقية، وإلى رقابة صارمة توقف هذا النزيف الذي يسرق فرحة الناس موسمًا بعد آخر.

فالعيد ليس مناسبة للأثرياء وحدهم، بل حقٌ نفسي وروحي لكل أسرة تريد أن تشعر بأن الحياة ما زالت بخير.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر:

الأكثر وجعًا أن ضحية هذا الانهيار ليست الأضاحي فقط، بل الطفولة نفسها.
أطفال الجنوب الذين كانوا ينتظرون العيد بلهفة، أصبحوا يسمعون حديث الكبار عن الغلاء والانهيار والعجز.

في وجوه الأطفال تنكشف الحقيقة كاملة:
حين تعجز الأسرة عن إسعاد أبنائها في العيد، فإن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة كرامة وإنسانية وحياة.

عيد الجنوب لا يجب أن يتحول إلى موسم للحزن:

رغم كل الألم، يبقى الجنوب حيًا بشعبه وصبره وتكاتفه.
ويبقى الأمل موجودًا ما دام هناك من يشعر بمعاناة الناس ويرفض أن تتحول الأعياد إلى مواسم بكاء جماعي.

إن إنقاذ فرحة العيد مسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية، تبدأ بضبط الأسواق، ومراقبة الأسعار، ودعم الفقراء، ومواجهة جشع المستغلين الذين حولوا لقمة المواطن إلى تجارة قاسية.

خاتمة:

في الجنوب اليوم، لم تعد المعركة فقط من أجل السياسة أو الخدمات أو الرواتب، بل أصبحت معركة من أجل أبسط حقوق الإنسان…
أن يفرح في العيد.

فأي وطنٍ هذا الذي يدخل إليه عيد الأضحى بينما آلاف الأسر تخفي دموعها خلف أبواب المنازل؟!
وأي كارثة أكبر من أن يصبح شراء أضحية حلمًا يؤلم الناس بدل أن يسعدهم؟!

سيظل الجنوبيون يقاومون القهر بصبرهم، لكن التاريخ لن يرحم كل من حوّل فرحة العيد إلى وجع، وكل من جعل أسواق الأضاحي سّكينًا جديدة تُذبح بها أحلام البسطاء قبل أن تُذبح الأضاحي نفسها.