عدن بلس| ريا شيخ علي
يتخيل لي المشهد كلوحة فنية رسمتها معاناة الجفاف بأدقّ تفاصيلها، تروي حكاية الكفاح من أجل قطرة ماء
بملابس ممتلئة بالبلل وكتفا بارزين وجسد هزيل ووجه لفحته الشمس وحاجبان فقدا ل نهما الأسود تتغير ملامح عبير (ليس اسمها الحقيقي) البالغة من العمر (١٦)ربيعًا، وهي تستعد لحمل دبة ٢٠ لتر ممتلئة بالماء على ظهرها محاولة للوقوف على قدميها بحملها الثقيل، إلا أن محاولة الوقوف تبدو متعبة فهي تحتاج إلى مساعدة رفيقاتها اللواتي ينشغلن بازاحة الشوك المتناثر على أجزاء من الطريق ليبدو سليما وامنا للعبور. وتمتد نظرة “عبير” إلى فتيات اخريات يسترحن على حافة البئر من الاتجاه المقابل وتظهر عليهن أثار التعب والمشقة.
عبير وهي تأخذ الترتيب الثالث بين أخوتها، تذهب كل صباح مع نساء القرية لجلب الماء لمسافة تتجاوز الساعتين وهذا يعرضها إلى مشقة كبيرة ناهيك عن الطريق الوعرة المتعرجة بين المنحدرات الجبيلة.وكان قرار جلب الماء قد فرض من والدها؛ بسبب عدم قدرة الأسرة على توفير المياه بالطرق الحديثة، تزامنًا مع شحة مياه الأمطار والجفاف الذي تتعرض له المطنقة
تتلقى عبير تعليمها في مدرسة خولة للبنات، في منطقة معربان مديرية يهر جنوب اليمن، وقد تفوقت في دراستها منذ سنواتها الأولى، وقد كانت تحصل على إحدى المقاعد الثلاثة الأولى وصولا إلى الصف السابع.
حلم عبير أن تصبح معلمة في مدرستها الأم أضحى قرار لا يمكن التراجع عنه بتشجيع من إدارة المدرسة وزميلاتها في القرية.
، إلا أن مستواها الدراسي بدأ بالتراجع طوال السنة بسبب عدم قدرتها على المذاكرة، والحضور المبكر؛ لما تعانيه من ارهاق شديد جراء جلب الماء، وقد انصدمت بنتيجة غير متوقعة في نهاية العام جعلتها تتنازل عن حلم مواصلة الدراسة.
رأت عبير أن معاناة جلب الماء تتفاقم يوما تلو الأخر، خاصة مع اشتداد موجات الجفاف الناتجة عن التغيرات المناخية وكل يوم يزداد الجهد والوقت، ومجبرة لا مخيرة اخبرت عبير والدها بأنها لا ترغب في إكمال تعليمها وستكتفي بجلب الماء وخدمه الأسرة، لم يعارض الأب ولا أحد من أفراد الأسرة قرار تسرب عبير من المدرسة، بل زادهم ذلك فرحا.
تقول عبير : ” ما كنت أحلم يوما بأني ساترك مقعدي في المدرسة، لكني منذ بدأت بجلب الماء قتل الإرهاق حلمي، فكيف لفتاة أن تتعلم وظهرها مثقل بدبة ماء؟
وتضيف كنت في وضع محرج الدراسة بالنسبة لي حلم وحياة وجلب الماء أيضا حياة لي ولاسرتي لا يمكن التوقف عنه هو الآخر .
جغرافيا وعرة و 2000 فتاة في دائرة الجفاف
تعتبر منطقتي معربان ومشالة من أوعر المناطق في منطقة يافع، وهي مناطق تقع في المرتفعات الحبلية الشاهقة، فدائما ما تتعرض إلى جفاف قاتل يغير مجرى الحياة هناك، ولا تستطيع الأسر جلب صهاريج الماء أولا بسبب الطريق الجبلية الضيقة والمنحدرات الخطرة وثانيا بسبب غلاء وايت الماء هناك.
وبحسب شهادة مدير التربية والتعليم في مديرية يهر الاستاذ ” راجح سالم” فأن نسبة الأمية ترتفع في منطقة معربان لكلا الجنسين رجال ونساء، ولكن النساء بنسبة أكبر وذلك بسبب تحمل النساء للاعباء المنزلية وعلى رأسها جلب الماء والزواج المبكر .
تشير إحصائيات التقرير الذي اعده مكتب التربية والتعليم 2023-2024 في مديرية يهر بأن عدد الفتيات في سن التعليم (6-18 سنة) بلغ 10000 فتاة، وبلغت نسبة الفتيات في منطقتي مشالة ومعربان_ وهي الأكثر تضررا بموجات الجفاف 20% أي 2000 فتاة
بينما بلغت نسبة الفتيات المكلفات بجلب الماء في هاتين المنطقتين 50% أي 1000 فتاة
وبلغت نسبة الفتيات اللواتي يتسربن من المدرسة بسبب جلب الماء 100 فتاة كل عام.
وبحسب تقرير منظمة اليونسف للعام (٢٠٢٣)، أن غالبية الأطفال الذين لا يتلقون التعليم بنوعيه الأساسي والثانوي في منطقة الشرق الأوسط هما من الإناث اللاتي يسكنن الأرياف، وبلغت نسبة الفتيات اليافعات الريفيات اللاتي لا يتلقين التعليم الثانوي في اليمن حوالي ٤٠٪
وتوقع التقرير إلى تفاقم الحواجز القائمة التي تعوق وصول الفتيات إلى التعليم حيث أدت الأزمات المتعلقة بندرة المياه في كل من اليمن والسودان إلى زيادة المسافة التي تقطعها الفتيات البالغات لجلب المياه الصالحة للشرب.
ويذكر تقرير صادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية لعام 2020 أن نسبة تسرب الفتيات من المدرسة بلغت 70% للفئة العمرية (5-14) وتجاوزت ال 20% للفئة العمرية (15-24).
وتقول مدير عام التعليم الإلكتروني “ناهد عمر سالم”: إن إحصائيات رسمية حول تسرب الفتيات من التعليم في المناطق المتضررة من التغير المناخي وفق دراسة Global Partnership for) Education/UNESCO) للعام 2023 بينت أن تراجع الإلتحاق بالمرحلة الابتدائية من 77.15% إلى 73.97% للفتيات، واكتمل المشتركون حتى المرحلة النهائية من 42.6% إلى 36% في الصف التاسع، بسبب النزاع والتهجير والضغوط الاقتصادية.
وحسب تقارير UNICEF )2024) فإن نحو 2 مليون فتاة باتت خارج المدارس منذ جائحة كورونا وما قبلها، ووصل عدد الأطفال الذين لم يلتحقوا بالتعليم إلى 4.5 مليون حتى 2024، أغلبهم فتيات .
مشقة مضاعفة
لم تكن مشقة نقل الماء ومغادرة المدرسة هما ما طرا على حياة عبير
بل أنها تتعرض إلى نزف حاد وألم اثناء فترة الحيض؛ ذلك بسبب السير مسافة طويلة ومتعرجة طلوعا ونزول كلفها فقدان كمية كبيرة من الدم.
وفي هذه الجزئية تقول المديرة السابقة لمستشفى يهر الحكومي ومسؤولة قسم الوضع حاليا الدكتور “حسن الهلالي” إن نسبة النساء اللواتي يتعرضن للنزيف في المناطق الريفية هناك بلغت 60% وخاصة اللواتي يبعدن عن المرفق الصحي. وبلغت نسبة الفتيات الشابات اللواتي يتعرضن للنزيف حوالي 20%، بحسب ما يصل “الهلالي” من اعداد.
وبحسب تقرير اليونسف نفسه، يذكر إن الفتيات المراهقات هن أكثر عرضة لسوء التغذية وتزايد مرتفع لخطر إصابة فقر الدم؛ نتيجة لطفرات النمو والدورة الشهرية حيث بلغت نسبة الفتيات اليافعات في اليمن اللواتي يعانين من فقر الدم على مستوى متقدم بنسبة ٦٨٪.
“مريم” _ليس اسمها الحقيقي_(٢٣) عاما، شعرت بدوران وصداع كبير في الرأس اثناء تعرضها لنزلات دم غزيرة؛ بعدعودتها من جلب الماء لثلاث مرات متتالية وهي في فترة الحيض. وقد استعانت بوضع ثلج بارد على بطنها وشرب كميات من البندول لتخفيف النزيف لكونها شابة لا تقدر على الذهاب إلى المستشفى.
بوصلة أمل
في نص القانون العام للتربية والتعليم رقم 45 لسنة 1992، تولد حقوق الجنسين في الإنتفاع بالفرص التعليمية التي تتيحها المؤسسات التربوية والتعليمية، لكن العدالة تحتاج إلى قلوب توقظها وخلصة بالتوعية المجتمع بأهمية تعليم الفتيات، بحسب ماتراه الهلالي
وتقول رئيس قسم الجغرافيا في كلية صبر الدكتورة رحيمة المنصب إنه لابد من توفير المواصلات للفتيات مواصله تعليمهم الجامعي والثانوي لان لاتتوفر لديهم الإمكانات المادية ولايمكن تخطي الصعوبات البيئية.
وتضيف بأن على الجميع داخل المجتمع التعاون مع بعض للتصدي للظروف المناخية وليس النساء فقط.
ويطلب راجح سالم من الجهات المحلية دعم برامج تعليم الفتيات في الأرياف وتزويدهم بالمعلومات والامكانيات والوعي.
* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من منظمة اليونسكو (UNESCO).
تعليقات الزوار ( 0 )