عدن بلس|خاص

 

في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها المجتمعات، لا تبقى السياسة مجرد إدارة يومية للشأن العام، بل تتحول إلى ساحة اختبار حقيقية لموازين القوى، ولقدرة الفاعلين السياسيين على الحفاظ على التوازن بين المبادئ والواقع، وبين الطموح والظرف، وبين ما يُعلن وما يُمارس على الأرض.

وفي السياق الجنوبي تحديدًا، تتداخل الملفات السياسية والإدارية والاجتماعية في مشهد بالغ التعقيد، تتقاطع فيه مشاريع متعددة، وتتصادم فيه قراءات مختلفة لمفهوم التمثيل السياسي، وإدارة السلطة، وحدود القرار المحلي في ظل تأثيرات إقليمية ودولية متشابكة.

ومن هنا، يبرز اسم وضاح الحالمي ضمن الشخصيات التي ارتبطت بمسار العمل التنظيمي داخل المجلس الانتقالي الجنوبي، في إطار مرحلة سياسية لا يمكن فصلها عن سياقها العام، ولا عن التحولات العميقة التي تشهدها البنية السياسية في الجنوب.

وفي هذا السياق، يظل وضاح الحالمي أحد الشخصيات التي ارتبط حضورها السياسي بالعمل التنظيمي داخل المجلس الانتقالي الجنوبي، من خلال مشاركته في تعزيز البنية الإدارية والسياسية، والإسهام في نقل صوت الشارع الجنوبي ضمن الأطر السياسية القائمة.

إن المرحلة الراهنة تتطلب قراءة هادئة وواعية للمواقف، بعيدًا عن لغة الإقصاء أو القرارات الأحادية التي لا تخدم الاستقرار، بل تزيد من تعقيد المشهد وتوسيع الفجوات بين الأطراف.

كما أن استخدام أدوات الضغط أو القرارات القهرية في إدارة الخلافات السياسية لا يمكن أن يشكّل أساسًا لحلول مستدامة، بل يعمّق من حالة الاحتقان ويضعف فرص التفاهم المطلوب، ويفتح المجال أمام مزيد من التباينات التي لا تخدم الاستقرار العام.

إن التعامل مع القضية الجنوبية يجب أن يقوم على الاعتراف بالواقع السياسي، واحترام التوجهات الشعبية، وفتح مسارات حوار جاد يضمن مشاركة عادلة لجميع الأطراف دون استثناء أو تهميش، وبما يحقق الحد الأدنى من التوازن السياسي المطلوب في هذه المرحلة الدقيقة.

إن المشهد السياسي في الجنوب اليوم لم يعد مجرد امتداد لخلافات تقليدية أو تباينات عابرة في الرؤى، بل أصبح يعكس حالة مركبة من إعادة تشكيل البنية السياسية نفسها، بما تحمله من تداخلات داخلية وضغوط خارجية، وإعادة تعريف لمفهوم السلطة والتمثيل والقرار.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة قراءة المشهد بعيدًا عن الانفعالات السياسية أو الاصطفافات الحادة والانتقال إلى مقاربة أكثر عقلانية تقوم على إدراك أن أي مشروع سياسي لا يمكن أن يستقر إلا إذا استوعب جميع مكوناته الفاعلة، وتعامل مع الواقع كما هو لا كما يُراد له أن يكون.

كما أن التجارب السياسية في العديد من السياقات المشابهة أثبتت أن الإقصاء السياسي، أو الاعتماد على أدوات الضغط، أو فرض ترتيبات أحادية، لا يؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة أكثر تعقيدًا، ويؤسس لحالة دائمة من عدم الاستقرار، حتى وإن بدا في لحظته أنه يحقق مكاسب آنية.

إن منطق الدولة الحديثة يقوم على التوازن لا الهيمنة، وعلى الشراكة لا التفرد، وعلى بناء المؤسسات لا تهميشها، وهو ما يجعل من أي مسار لا يراعي هذه المبادئ مسارًا هشًا، سرعان ما يتعرض للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، فإن الشخصيات السياسية الفاعلة، ومنها وضاح الحالمي، تُقرأ ضمن سياقها المؤسسي والتنظيمي، لا بمعزل عن البيئة السياسية التي تعمل فيها، ولا عن طبيعة المرحلة التي تُنتج أدوارها وحدود تأثيرها، الأمر الذي يجعل من فهم الأدوار السياسية عملية معقدة تتطلب قدرًا عاليًا من الموضوعية والهدوء في التحليل.

كما أن المرحلة الحالية تفرض على جميع الأطراف الانتقال من منطق إدارة الخلاف إلى منطق إدارة الحلول، ومن التفكير بمنطق المكاسب الضيقة إلى التفكير بمنطق الاستقرار العام، لأن أي إخفاق في بناء التفاهمات الضرورية سيعيد إنتاج حالة التوتر بشكل أكثر حدة في المستقبل.

إن الجنوب اليوم أمام لحظة سياسية فارقة، تتطلب شجاعة في الاعتراف بالتحديات، ومرونة في التعامل مع الاختلافات، وحكمة في إدارة التوازنات، بعيدًا عن أي محاولات لإعادة إنتاج المشهد بصيغ لا تعكس الواقع الحقيقي.

وفي النهاية، فإن الاستقرار السياسي لا يُبنى على الإقصاء ولا على القرارات المفاجئة، بل يُبنى على تراكم الثقة، وتوسيع دائرة المشاركة، وإعادة تعريف العلاقة بين الفاعلين السياسيين على أساس الشراكة الوطنية الشاملة.

وهكذا، يبقى المشهد مفتوحًا على عدة احتمالات، يحدد مسارها القادم مدى قدرة الفاعلين السياسيين على الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة صناعة التوافق، وهي المرحلة التي لا بديل عنها إذا كان الهدف الحقيقي هو بناء مستقبل سياسي مستقر ومستدام.

 

د/عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري

ناشط سياسي وباحث اجتماعي

3 يونيو 2026