عدن بلس |خاص

نُعرب عن بالغ الإدانة والاستنكار الشديدين لما ورد من تقارير وشهادات حول حالات التجنيد القسري والملاحقات الأمنية التي طالت الشاب اليمني محمد بشير محمد سرحان وما رافق ذلك من ضغوط وتهديدات وممارسات تمس أبسط حقوق الإنسان وكرامته في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية
إن استهداف المدنيين وخصوصاً الشباب لإجبارهم على الانخراط في النزاعات المسلحة يُعد جريمة مرفوضة بكل المقاييس ويتعارض بشكل واضح مع مبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحظر الإكراه في التجنيد أو الزج بالمدنيين في الصراعات المسلحة تحت أي ظرف
كما نُدين بشدة أي ممارسات تُمارس ضد الأسر والأهالي من تهديد أو ترهيب أو ضغط بهدف إسكاتهم أو إجبارهم على التخلي عن أبنائهم أو التبرؤ منهم لما في ذلك من انتهاك خطير للنسيج الاجتماعي والحقوق الأساسية للإنسان
ونؤكد أن استمرار مثل هذه الانتهاكات في بيئة النزاع لا يؤدي إلا إلى تعميق معاناة المدنيين وزيادة حالة عدم الاستقرار ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة للتحرك الجاد لوقف هذه الممارسات ومحاسبة المتورطين فيها
كما ندعو المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية المستقلة إلى فتح تحقيقات شفافة ومحايدة حول هذه الانتهاكات والعمل على حماية المدنيين وضمان عدم تعرضهم لأي شكل من أشكال الإكراه أو الاستهداف بسبب مواقفهم أو رفضهم المشاركة في النزاع
إن حماية الإنسان وكرامته يجب أن تبقى أولوية فوق كل الاعتبارات وأي تجاوز لذلك هو مساس مباشر بالقيم الإنسانية الجامعة

وفي ختام هذا البيان فإننا نؤكد مجدداً أن ما ورد من إفادات وشهادات حول حالات التجنيد القسري والملاحقات والضغوط التي يتعرض لها المدنيون وعلى وجه الخصوص الشباب يمثل مؤشراً بالغ الخطورة على حجم التدهور الذي وصلت إليه الأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد ويعكس في الوقت ذاته واقعاً معقداً تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الانتهاكات الحقوقية في ظل غياب واضح للرقابة الفاعلة والعدالة المنصفة
إن استمرار مثل هذه الممارسات سواء كانت بشكل مباشر أو غير مباشر لا يهدد فقط حياة الأفراد المستهدفين بل يطال أيضاً البنية الاجتماعية برمتها ويخلق حالة من الخوف والقلق الدائم داخل المجتمع ويؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية والاجتماعية ويجعل من بيئة النزاع بيئة طاردة للحياة الطبيعية والآمنة وهو ما ينعكس سلباً على مستقبل الأجيال القادمة التي تُدفع قسراً نحو مسارات لا خيار لها فيها
كما أن استهداف الأفراد بسبب رفضهم الانخراط في النزاع المسلح يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ الحرية الشخصية وحق الإنسان في اختيار مصيره وهو حق كفلته جميع المواثيق الدولية والإنسانية دون استثناء إن إجبار أي إنسان على حمل السلاح أو المشاركة في أعمال قتالية دون إرادته الحرة يُعد تجاوزاً خطيراً للخطوط الحمراء التي نصت عليها القوانين الدولية ويضع المسؤولين عن هذه الأفعال أمام مساءلة قانونية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها
ومن المؤسف أن تترافق هذه الانتهاكات في كثير من الأحيان مع ضغوط إضافية تمارس على أسر الضحايا سواء من خلال التهديد أو التضييق أو الإكراه النفسي والاجتماعي وهو ما يضاعف من حجم المعاناة ويجعل من الأسرة بأكملها طرفاً في دائرة الخطر بدلاً من أن تكون هي الحاضنة الطبيعية للأمن والاستقرار في مشهد يعكس انهياراً خطيراً في منظومة القيم الإنسانية
وفي هذا السياق فإننا نؤكد أن معالجة مثل هذه القضايا لا يمكن أن تتم عبر التجاهل أو الإنكار بل تتطلب مقاربة جادة ومسؤولة تقوم على فتح تحقيقات مستقلة وشفافة تضمن الوصول إلى الحقيقة كاملة دون انتقائية أو تسييس وتضمن في الوقت ذاته حماية الشهود والمتضررين من أي انتقام أو ضغط إضافي كما أن تمكين المنظمات الحقوقية المحلية والدولية من أداء دورها بحرية واستقلالية يعد خطوة أساسية لا غنى عنها في أي مسار جاد نحو الحد من هذه الانتهاكات
إن المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه ما يجري وأن لا يكتفي ببيانات القلق أو الإدانة الشكلية بل أن ينتقل إلى مرحلة الفعل الحقيقي الذي يضمن حماية المدنيين ووقف الانتهاكات ومساءلة المتورطين فيها لأن استمرار الصمت أو الاكتفاء بالمراقبة من بعيد لم يعد مقبولاً أمام حجم المعاناة المتفاقمة
كما أن الأطراف المحلية الفاعلة مطالبة أيضاً بإعادة النظر في سياساتها وممارساتها تجاه المدنيين وتغليب منطق القانون والدولة على منطق القوة والإكراه والعمل على بناء بيئة آمنة تسمح للناس بالعيش بكرامة دون خوف أو تهديد أو استغلال لأن أي مشروع سياسي أو عسكري لا يستند إلى احترام الإنسان وحقوقه هو مشروع ناقص وغير قابل للاستمرار
وفي النهاية فإن حماية الإنسان تبقى الهدف الأسمى الذي لا يعلوه أي اعتبار وأن كرامة الفرد ليست قابلة للمساومة أو التنازل وأن أي انتهاك لهذه الكرامة هو انتهاك للإنسانية جمعاء وبناء مستقبل مستقر وعادل لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار هذه الممارسات بل يتطلب إرادة حقيقية تضع الإنسان في قلب كل السياسات والقرارات
وعليه فإننا نجدد دعوتنا إلى وقف كافة أشكال الانتهاكات بحق المدنيين والعمل الجاد على توفير الحماية الكاملة لهم وضمان عدم تكرار مثل هذه الحالات مستقبلاً بما يضمن ترسيخ مبادئ العدالة والحرية والكرامة الإنسانية باعتبارها الأساس الحقيقي لأي سلام دائم أو استقرار مستقبلي