عدن بلس| بقلم /عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري
إن القراءة السطحية لما يجري اليوم في العاصمة عدن قد توحي للبعض بأنها مجرد احتكاكات عسكرية عابرة أو تباينات في وجهات النظر حول مصفوفة أمنية، لكن الحقيقة أعمق بكثير وأكثر خطورة. إننا نشهد فصلاً دراماتيكياً من فصول الصراع على الهوية والقرار والسيادة، صراعاً يتم فيه إعادة إنتاج أدوات الهيمنة القديمة بوجوه وأسماء جديدة، تهدف في جوهرها إلى تجريف المكتسبات الوطنية التي دفع شعب الجنوب ثمنها أنهاراً من دماء خيرة شبابه وأبطاله.
منذ انطلاق عاصفة الحزم، كان الجنوب الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها الأطماع الإيرانية والمشروع الحوثي الكهنوتي، في وقت كانت فيه جبهات أخرى تتساقط كأوراق الخريف. هذا الصمود الأسطوري أثمر واقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً فرض نفسه على طاولة الإقليم والعالم، وتجسد في تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل وممثل شرعي للقضية الجنوبية، وبناء قوات مسلحة جنوبية أثبتت أنها الشريك الموثوق والوحيد في مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة الدولية.
إلا أن هذا النجاح الجنوبي لم يرق للقوى المأزومة، التي ظلت طوال السنوات الماضية تحيك المؤامرات في الغرف المظلمة، محاولةً تحويل الانتصارات العسكرية إلى هزائم سياسية عبر حروب الخدمات، وحصار الرواتب، وافتعال الأزمات المعيشية. وعندما فشلت حرب التجويع في كسر إرادة الشعب الجنوبي، انتقلوا اليوم إلى الخطة “ب”: المواجهة السياسية والأمنية المباشرة، ومحاولة تفكيك الجبهة الداخلية من الداخل عبر أدوات “اللجنة الخاصة” واختلاق لافتات براقة مثل “إعادة التموضع” و”مصفوفة الترتيبات الأمنية الشاملة”.
إن التمكين الممنهج لمشاريع مشبوهة ومستوردة، ومحاولة خلق تشكيلات بديلة لضرب القوات الفاعلة على الأرض، ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو خطيئة استراتيجية كبرى وطعنة غادرة في خاصرة الشراكة. إنهم يحاولون اليوم تحويل عدن من عاصمة للقرار والحرية والنصر، إلى ساحة تابعة للمشاريع التصفوية التي تخشى الصوت الجنوبي الحر، وتعمل على تدجين الإرادة الوطنية لإعادتنا إلى مربع الصفر، وهو المربع الذي تجاوزه الشعب الجنوبي بغير رجعة.
ولم يعد الأمر مجرد “مصفوفة أمنية” أو تباينات في وجهات النظر، بل نحن أمام عدوان سياسي مكتمل الأركان ومؤامرة علنية تُحاك خيوطها في الغرف المظلمة وتُنفذ على أرض العاصمة عدن. ما تقوم به اللجنة الخاصة بقيادة المدعو فلاح الشهراني ليس ترتيباً للمشهد، بل هو محاولة بائسة ومكشوفة لـ “تأميم” القرار الجنوبي، وهدم المكتسبات الوطنية التي سُكبت من أجلها دماء آلاف الشهداء من أبطال القوات المسلحة الجنوبية. إن ما تشهده عدن من ممارسات تجاوز كل الخطوط الحمراء، ووصل إلى مرحلة من الغطرسة التي لا يمكن السكوت عنها.
ويتمثل هذا التجاوز السافر في استهداف حصون السيادة الجنوبية؛ حيث إن إغلاق مقرات الجمعية الوطنية ومجلس المستشارين للمجلس الانتقالي الجنوبي في التواهي بقوة السلاح والمدرعات، ليس إجراءً إدارياً، بل هو طعنة غادرة في خاصرة الشراكة، ومحاولة سافرة لـ “إلغاء” المؤسسات التشريعية والسياسية التي تمثل إرادة شعب بأكمله. يرافق ذلك سياسة الحصار والتكميم عبر منع الكوادر الوطنية والقيادات الجنوبية من ممارسة مهامها، وتحويل المقرات السياسية إلى ثكنات مغلقة، مما يثبت أن الهدف الحقيقي لهذه اللجنة ليس تثبيت الأمن، بل تجريف الحضور الجنوبي وإفراغ العاصمة من هويتها السياسية لصالح قوى تسعى لإعادة إنتاج أدوات الهيمنة السابقة.
إن هذا الاستخفاف بالتضحيات يكشف عن جهل عميق بطبيعة الأرض؛ فمن يعتقد أن “جرّة قلم” أو أمر عسكري صادر من خلف الحدود يمكنه تهميش القوة الفاعلة التي دحرت المد الإيراني والتنظيمات الإرهابية، فهو يعيش في وهم سياسي عميق. إن محاولة استبدال القوات الحية على الأرض بمشاريع مشبوهة ومستوردة هي لعب بالنار ستحرق أولاً من أشعلها. ونقولها بلا مواربة للمدعو فلاح الشهراني ومن يقف خلفه: إن مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي ليست مجرد جدران أو لافتات تُغلق بأمر عسكري؛ إنها عقيدة سياسية محفورة في وعي الملايين من أبناء هذا الشعب. من يظن أن بإمكانه تركيع عدن أو سلبها قرارها عبر سياسة فرض الأمر الواقع، فعليه أن يقرأ التاريخ جيداً.. عدن لا تقبل الوصاية، ولن تمر مشاريع التفتيت والتركيع مهما كان الثمن.
إن هذه الحماقات الميدانية التي ترتكبها اللجان الخاصة في عدن لن تمر مرور الكرام، ولن تكون مجرد حدث عابر في شريط الأخبار اليومية، بل إنها تمثل نقطة تحول استراتيجية ستعيد رسم خارطة التحالفات والالتزامات على الساحة برمتها. إن اللعب بورقة التضييق السياسي وإغلاق المنابر الشرعية للمجلس الانتقالي هو استدعاء صريح لسيناريوهات الفوضى، ومغامرة غير محسوبة العواقب قد تطيح بكل ما تم بناؤه من تفاهمات سياسية هشة طوال الفترات الماضية. وعليه، فإننا نضع النقاط على الحروف في هذا المنعطف التاريخي من خلال محاور حاسمة تفكك أوهام القدرة على التفكيك وإعادة التدوير.
يخطئ واهماً من يظن أن القوة العسكرية الفوقية أو الأوامر المفروضة قسراً قادرة على تفكيك الحاضنة الشعبية للجنوب. إن المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته المسلحة لم يأتوا بقرار إداري من هذه العاصمة أو تلك، بل ولدوا من رحم المعاناة، وتعمّدوا بدم الشهادة، وحملوا تفويضاً شعبياً لا تملكه أي لجنة عسكرية أو سياسية. إن محاولات اصطناع قوى بديلة وتلميع مكونات كرتونية لن يغير من حقيقة الأرض شيئاً؛ فالأرض تقاتل مع أصحابها، والتاريخ لا يصنعه المرتعشون خلف المكاتب، بل الأبطال في متارس الشرف.
ولا تتوقف التداعيات هنا، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب؛ فالقوات المسلحة الجنوبية كانت وما زالت صمام الأمان الوحيد لحماية الأمن القومي العربي في خليج عدن وباب المندب. وإن محاولات إضعاف هذه القوات أو محاصرة قيادتها السياسية تصب بشكل مباشر في مصلحة المليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية التي تنتظر أي ثغرة في الجدار الجنوبي لتنقض على العاصمة عدن. إن أي مساس بالاستقرار في عدن هو تهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي، وعلى المجتمع الدولي والتحالف العربي إدراك خطورة هذه الحسابات الضيقة قبل فوات الأوان.
أمام هذا المشهد، تظل الخيارات مفتوحة والرد الشعبي حاسماً؛ إن سياسة ضبط النفس التي انتهجتها القيادة الجنوبية طوال الفترة الماضية لم تكن ضعفاً، بل كانت تغليباً للمصلحة العليا وحرصاً على وحدة الصف لمواجهة العدو المشترك. ولكن، عندما يصل الأمر إلى محاولة اقتلاع الجذور وإغلاق المؤسسات السيادية والتنفيذية، فإن كل الخيارات تصبح مشروعة ومفتوحة على مصراعيها. إن جماهير شعب الجنوب، التي ملأت الساحات في المليونيات السابقة، مستعدة اليوم لتلقين الطغاة والواهمين دروساً جديدة في التلاحم والدفاع عن الكرامة، وإن غضبة شعب الجنوب إذا انطلقت فلن توقفها جدران أو مدرعات.
وفي الختام، نقولها بالفم المليان، وبأعلى صوت يسمعه القريب والبعيد: إن عدن كانت وستبقى عاصمة الجنوب الأبية، ولن تتحول يوماً إلى حديقة خلفية لتصفية الحسابات أو حقل تجارب لسياسات فرض الوصاية والتركيع. إن دماء شهدائنا ليست للمساومة، وقضيتنا ليست للمقايضة في أسواق التفاهمات الإقليمية. نجدد العهد والوفاء لقيادتنا السياسية والعسكرية، ونؤكد أننا نقف صفاً واحداً كالبنيان المرصوص خلف المجلس الانتقالي الجنوبي. والأيام بيننا، ومن بدأ الصياد فليتحمل تبعات المعركة، ولن يحصد المتآمرون سوى الخيبة والانكسار.
ونحن على العهد ماضون قد قالها سياده الرئيس القائد عيدروس الزبيدي
عهد الرجال لرجال وعهد الصادقين للصادقين
عاش الجنوب حراً أبياً مستقلاً، والخلود للشهداء، والشفاء للجرحى، والنصر والتمكين لقواتنا المسلحة الباسلة.
تعليقات الزوار ( 0 )