عدن بلس/ د. عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري باحث في الدراسات الاستراتيجية والسوسيولوجية السياسية
في ديدن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، تبرز ظاهرة سوسيولوجية خطيرة تعتمدها القوى المناوئة للمشاريع الوطنية التحررية، وهي ظاهرة التخليق الاصطناعي للمكونات السياسية، حيث إن الهندسة الاجتماعية والسياسية التي تُمارس اليوم في العاصمة عدن ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج غرف عمليات استخباراتية تسعى جاهدة لإعادة صياغة المشهد الجنوبي من خلال إنتاج نخب مشوهة، وكيانات هلامية تفتقر إلى أي رصيد نضالي أو عمق اجتماعي، فيتم جلب أطفال ومراهقين سياسيين لم يبلغوا سن الحلم الفكري بعد، ليتصدروا المشهد عبر لافتات براقة ومجالس مسوخة كـ “المجلس الوطني للشباب الجنوبي”، بهدف وحيد وهو إحداث موازنة وهمية ضد الكيانات السياسية الحية التي دُفعت أثمانها من دماء الشهداء وعمّدتها تضحيات الميادين.
وإن القراءة الاستراتيجية الحصيفة للمشهد تفرض علينا ربط التدهور المريع في الملف الخدمي بالعاصمة عدن بعملية التفريخ السياسي الممنهج، فهناك علاقة طردية واضحة بين تجويع الشعب وإفراز هذه الكيانات الكرتونية المضحكة، فحين يُترك أبناء عدن ليفترشوا الأرصفة ويلتحفون السماء، هاربين من جحيم البيوت التي خنقها انقطاع التيار الكهربائي وشح المياه، وحين تُقطع مرتبات العسكريين والمعلمين وتنهار المنظومة الصحية عمداً، فإن الهدف ليس مجرد عجز إداري عابر، بل هي سياسة إدارة بالأزمات وتركيع ممنهج تهدف إلى إيصال الحاضنة الشعبية إلى حافة الإنهاك الكامل، وفي لحظة الإنهاك هذه، تتدخل الأدوات التابعة لمنظومة العبث لطرح هذه الكيانات المصنوعة كبديل منقذ ومسار تضليلي، لتمرير مشاريع التنازل والارتهان لـ “شرعية الفنادق” وحكومتها الفاشلة، تحت وطأة الحاجة الإنسانية الأساسية.
هذا العبث كله يدار بمال سياسي موجه ومشبوه، تقف وراءه سلطات المملكة العربية السعودية عبر ممثليها في الجنوب، وعلى رأسهم المدعو “الشهراني” ممثل عدن، حيث يتم تحويل الدعم اللوجستي والمالي من مساره المفترض في إغاثة الشعب وبناء البنية التحتية، إلى مسار تمويل الولاءات وصناعة الدمى وتفريخ مكونات ممسوخة تؤدي وظيفة البنادق الإعلامية للإيجار، لتصبح مهمة هذه الكيانات الكرتونية هي تلميع المسؤولين الفاشلين، وطلب الفرص والإنصاف لمن دمروا المدينة، وتوجيه سهام النقد والاتهام بالابتزاز لكل قلم حر أو منصة إعلامية تكشف حقيقة هذا العبث، لتغدو المسألة عملية شرعنة منظمة للفشل والتدمير بأدوات محلية رخيصة الثمن ومسلوبة الإرادة.
وبينما يفترش أبناء عدن الأرصفة ويلتحفون السماء، هاربين من جحيم البيوت التي خنقها انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وانهيار المنظومة الصحية، ومعاناة قطع المرتبات؛ تفرّغت حكومة الفنادق الفاشلة وسلطات الأمر الواقع التابعة للمملكة العربية السعودية لإنتاج مهازل سياسية يندى لها الجبين، ففي الوقت الذي يموت فيه المواطن الجنوبي ببطء جراء حرب الخدمات الإجرامية التي تباركها قوى الإقليم لتركيع هذا الشعب الحر، نجد أن هناك من يضخ الأموال الطائلة لصناعة مسميات هلامية ومجالس كرتونية مضحكة جداً، قوامها أطفال ومراهقون لم يكملوا سن الحلم بعد، والهدف الوحيد منها هو شق الصف وإرباك المشهد لمصالح ذاتية وشخصية بحتة تلبي رغبات الممول الخارجي، وإن الدعم الواضح والمكشوف الذي يقدمه “الشهراني” وأدواته الاستخباراتية لهذه الكيانات الهزيلة، لا ينطلق من حرص على مستقبل شباب الجنوب أو انتشال العاصمة من وضعها المأساوي، بل هو استثمار رخيص في معاناة الناس، ومحاولة بائسة لخلق أصوات مستعارة تسبّح بحمد المسؤولين الفاشلين وتبرر سياسات التجويع والترهيب، وآخر فصول هذه المسرحية الهزلية والمقززة هو “خطاب باراس” الموتور، الذي خرج بوعي طفولي ضحل ونبرة مستأجرة يبشر فيها واهماً بأن المجلس الانتقالي الجنوبي لن يعود إلى الواجهة الصارمة، ظاناً أن بضعة ملايين من التمويل السعودي كفيلة بطمس هوية شعب وتاريخ ثورة.
ونحن هنا من منطلق القراءة التاريخية والواقعية للميدان، نرد على المدعو “باراس” وأمثاله من الأصوات المستأجرة الذين خرجوا يروجون لعدم عودة المجلس الانتقالي الجنوبي، ونقول لهم بوضوح حاد لا تفرحوا كثيراً بفقاعاتكم الإعلامية وبياناتكم المملواة عليكم من وراء الحدود، فالمجلس الانتقالي لم يكن يوماً منصباً عابراً أو وظيفة يملك الشهراني أو حكومة الفنادق صك إلغائها، بل هو مشروع شعب، وعقيدة وطن، وتفويض شعبي معمد بدم آلاف الشهداء التي لا تُهزم بالخطابات الهزيلة ولا بمال المرتزقة، وإن مراهنتكم على إضعاف هذا المشروع عبر بوابات التجويع والترهيب هي مراهنة صفرية انتحارية، وكلما تمادت أدواتكم في غيها، كلما زاد الشعب تمسكاً بخياراته الاستراتيجية وحوامله السياسية الحقيقية.
وليعلم كل من ارتهن لسلطات المملكة العربية السعودية وباع قضية وطنه مقابل فتات المناصب والاعتمادات المالية، أن عجلة التاريخ لا تتوقف، وأن عدالة الشعوب قد تمهل لكنها أبداً لا تهمل، وإن تصنيفكم كمرتزقة لـ “المهلكة” ليس مجرد وصف هجومي عابر، بل هو حقيقة سوسيولوجية وسياسية دامغة لكل من يقتات على أوجاع أهله ويسعى لتبرير الفشل الإداري والخدمي في عدن لصالح قوى خارجية تريد سلب الجنوب سيادته وقراره، والحساب قادم لا محالة، والشعب الجنوبي الذي صبر على حر الصيف وظلام البيوت، يمتلك من الوعي والذاكرة ما يجعله قادراً على فرز الخبيث من الطيب، ولن تنفعكم الأموال المهربة ولا غرف الفنادق الفاخرة، وحين تحين لحظة الحقيقة والتحرك الشعبي العارم، لن يجد أولئك الذين شرعنوا عذاب المواطنين مكاناً يختبئون فيه من غضب الشارع ولعنة التاريخ.
إن العودة القادمة للمشروع الوطني الجنوبي لن تكون مجرد عودة للمشهد السياسي التقليدي والمساومات الدبلوماسية، بل ستكون عودة كاسحة لفرض السيادة، تعيد ترتيب الأوراق على الأرض بقوة السلاح والإرادة الشعبية الصارمة، حيث سيتحاسب الفاسدون، وستُفتح ملفات كل الكيانات الهلامية التي فُرّخت لضرب النسيج الاجتماعي الجنوبي، ونحن نحذر تلك الأبواق الكرتونية وعلى رأسها أدوات الشهراني من مغبة الاستمرار في هذا اللعب بالنار، فالشباب الجنوبي الحقيقي متواجد في متارس الجبهات، وعلى أرصفة الصمود يكتوي بنار خدماتكم، وليس في صالونات الفنادق الفاخرة يتلقى الأوامر من الممول الخارجي، وثقوا تماماً أن تصفية الحسابات السياسية والقانونية مع أدوات العبث هي مسألة وقت ليس إلا، وأن الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم ولا بتزوير البيانات المرتجفة.
ونختم بالقول إن عدن ستبقى عصية على التدوير والمسخ والتركيع، وكل محاولات شرعنة الفساد وتغطية العجز بشهادات النزاهة المزيفة لن تمر مرور الكرام، وإن دماء شهدائنا وجوع أطفالنا في عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة والضالع وسقطرى، هي العهد الذي لا ننكثه، فكفوا عن مراهقتكم السياسية، والبسوا عباءات على حجمكم الضئيل، فمصير الكيانات الكرتونية والدمى المتحركة ومموليها في حكومة الفنادق وسلطات المملكة كان وسيبقى دائماً مزبلة التاريخ، ولن يصح في النهاية إلا الصحيح، والأيام بيننا وبينكم يا مرتزقة العصر وسماسرة الأوطان
تعليقات الزوار ( 0 )