عدن بلس| بقلم عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري

 

جغرافيا الغضب وتاريخ لا يقبل الانكسار

منذ أن سطرت عدن أولى خطوط مجدها التاريخي كحاضرة للحرية ومنارة للقرار السيادي في جنوب الجزيرة العربية، وهي مستهدفة في كينونتها، ملاحقة بلعنة موقعها الاستراتيجي وصمود أهلها. واليوم، لا يمكن قراءة المشهد المأساوي الذي يلف شوارعها وحاراتها بمعزل عن تلك السردية التاريخية الطويلة من الصراع بين إرادة التحرر الوطنية وأطماع الهيمنة الإقليمية. إن ما يحدث في عدن ليس وليد الصدفة، وليس مجرد كبوة عابرة في جدار الإدارة المحلية، بل هو فصل متقدم من فصول مؤامرة دولية وإقليمية مكتملة الأركان، تحاك خيوطها في الغرف المغلقة وتنفذ بأيدي قوى محلية ارتضت لنفسها السقوط في مستنقع التبعية.

تأتي هذه السطور لتفتح ملف واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة بحق شعب أعزل: جريمة “التركيع عبر الخدمات” وعسكرة الحياة المدنية، وتوجيه فوهات البنادق التي صُممت لحماية الثغور إلى صدور الأمهات والشباب والأطفال الذين خرجوا لا يحملون سوى أصواتهم المبحوحة بفعل الحر والجوع، مطالبين بأدنى مقومات البقاء الآدمي على أرضهم الحره

 

اعتقال الشباب.. خزي سلطات الأمر الواقع وتواطؤ الفنادق

انطلقت الشرارة من أزقة كريتر والمعلا والمنصورة والشيخ عثمان؛ خرجت الجماهير بعد أن بلغت القلوب الحناجر، وبعد أن تحول الصيف بلهيبه الحارق إلى أداة تعذيب يومية مسلطة على رقاب العائلات جراء الانهيار الكلي لمنظومة الكهرباء وتلوث المياه وانقطاعها، بالتوازي مع سقوط تاريخي ومخيف للعملة المحلية جعل من لقمة العيش حلمًا بعيد المنال. لم يكن خروج الناس ترفاً سياسياً، بل كان صرخة الرمق الأخير في وجه الموت البطيء.

لكن الرد المستبد لم يتأخر؛ فبدلاً من أن تتحرك ضمائر المسؤولين، تحركت أطقم ومدرعات سلطات الأمر الواقع المدعومة سعودياً. وفي مشهد سريالي يندى له الجبين، انتشرت القوات العسكرية المدججة بالسلاح والممولة بالمال الإقليمي في الجولات والشوارع الرئيسية، وباشرت بحملة اعتقالات مسعورة طالت الناشطين والشباب المتظاهرين سلمياً.

إن هذا الاعتقال المسعور للشباب الأحرار الذين نزلوا لمجرد طلب الخدمات الأساسية والعيش الكريم هو شيء مخزي وعار أسود يسقط قناع هذه السلطات زيفاً ويؤكد إفلاسها الأخلاقي والسياسي! كيف تجرؤون يا سلطات الأمر الواقع المدعومة سعودياً على توجيه مدرعاتكم وبنادقكم إلى صدور شباب أعزل، بدلاً من توجيهها لتأمين الخدمات وكنس الفساد؟ إنكم بسياستكم القمعية هذه تضعون أنفسكم في مواجهة مباشرة مع شعب لن يغفر هذا التنكيل، ولن يقبل بجلاد يأتمر بأمر كفيله الإقليمي في الرياض.

وفي المقلب الآخر من المشهد، وتحديداً في أروقة الفنادق الفارهة بالعاصمة السعودية، كانت حكومة الفنادق بأصحاب الأيادي المرتعشة تمارس دورها المعتاد في التواطؤ والصمت المخزي. هؤلاء المسؤولون المرتزقة الذين رهنوا قرارهم الوطني، وصاروا يقتاتون على مآسي شعبهم من وراء البحار، وقفوا بأيادٍ مرتعشة وعقول مستلبة يباركون القمع بالصمت، ويبررون الانهيار ببيانات هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع. إن هذا التناغم المخزي يعكس بوضوح طبيعة التخادم القائم لتنفيذ أجندة الاحتلال السعودي، الرامية إلى إنهاك الشعب الجنوبي وإشغاله بلقمة العيش والخدمات الأساسية عن قضاياه السيادية ومطالبه العادلة في التحرر والكرامة.

الامتداد التحليلي والاستراتيجي للمؤامرة

 

“التركيع” وأبعاد العقاب الجماعي

إن التمعن العميق في تفاصيل الأزمة الراهنة في عدن يقودنا حتماً إلى استنتاج واحد لا يقبل الشك: نحن لسنا أمام عجز مالي أو أزمة وقود طارئة، بل نحن أمام استراتيجية عقاب جماعي ممنهجة تقع مسؤوليتها الكاملة والمباشرة على عاتق الاحتلال السعودي وأدواته. تسعى الرياض، من خلال الإبقاء على عدن في حالة شلل خدمي تام وانهيار اقتصادي متواصل، إلى هندسة واقع سياسي جديد في الجنوب يُنزع فيه قرار الشارع وتُكسر إرادته. إنها سياسة “الصدمة والترهيب الخدمي” التي تحاول إقناع المواطن الجنوبي بأن ثمن تطلعاته السياسية والاستقلالية سيكون الجوع والظلام والفوضى.

المتهم الوحيد في هذه المعادلة واضح كالشمس؛ إنها سلطات الأمر الواقع التي قبلت أن تكون السوط الغليظ بيد المحتل، ونفذت ببلادة سياسية وأمنية أوامر كفيلها الإقليمي، متناسية أن شرعيتها -إن وجدت- تستمدها من هذا الشعب لا من غرف القرار في اللجنة الخاصة. إن عسكرة المدن وقمع الحريات وتكميم أفواه المتظاهرين السلميين في عدن لم تكن يوماً دليلاً على القوة، بل هي أقصى درجات الضعف والارتباك؛ تعبير فاضح عن عجز هذه السلطات عن تقديم أي حلول حقيقية للأزمات المعيشية، وهروب مخزٍ نحو الخيار الأمني للتغطية على قضايا الفساد المالي والإداري التي تزكم الأنوف.

 

عار الفنادق والأيادي المرتعشة في ميزان التاريخ

أما حكومة الفنادق في الرياض، فصفحتها في هذا السرد هي الأكثر سواداً وابتذالاً. إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين تسلموا مناصب سيادية باسم هذا الشعب، ثم تحولوا إلى دمى تحركها أصابع المخابرات الإقليمية. أصحاب الأيادي المرتعشة الذين يرتجفون خوفاً من خسارة امتيازاتهم ورواتبهم بالعملة الصعبة في فنادق النزوح، ارتضوا أن يكونوا شهود زور على تدمير عملتهم الوطنية، وتجويع أهلهم، واعتقال شبابهم في ساحات عدن. إن عجز هذه الحكومة ليس عجزاً في الإمكانيات، بل هو عجز في الكرامة والوطنية، وتنازل طوعي عن السيادة لصالح من يدفع أكثر.

كيف يمكن لمسؤول يحترم نفسه أن يرى عاصمته تغرق في الظلام، وأبناء جلدته يموتون في المستشفيات بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وشبابها يودعون السجون لأنهم قالوا “لا للظلم”، ثم يخرج ببيان ممجوج يتحدث فيه عن “تفاهمات” و”منح” وهمية؟ إن هذا التواطؤ يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن طرفي المعادلة (سلطات الأمر الواقع الميدانية وحكومة الفنادق السياسية) هما وجهان لعملة واحدة؛ عملة الارتهان والتبعية للخارج على حساب دماء وقوت شعب الجنوب.

الخاتمة: حتمية الانفجار الشعبي وكنس أدوات الوصاية

 

وفي الختام اقولها بكل صدق

يجب على واهمي السيطرة بالحديد والنار، وعلى أصحاب الأيادي المرتعشة وكفيلهم الإقليمي، أن يعيدوا قراءة جينات هذا الشعب الصامد. إن عدن التي طردت أعتى الإمبراطوريات وجيوش الاحتلال عبر التاريخ، لا يمكن أن تخضع لسياسة “الإذلال الخدمي” أو ترهبها حملات المداهمات والاعتقالات التعسفية. إن جدران السجون التي تفتحونها اليوم لشباب الجنوب السلميين ستتحول غداً إلى قلاع للثورة، وإن صيحات الجياع في الساحات هي الوقود الذي سيحرق عروشكم الكرتونية.

إن الحراك الشعبي المستمر والمتصاعد في عدن وبقية المحافظات الجنوبية يتجاوز بمراحل مجرد مطالب معيشية؛ إنه استفتاء شعبى حاسم يربط بوعي تام بين انهيار معيشة المواطن وبين استمرار الاحتلال السعودي والتدخلات الخارجية القمعية. الرسالة اليوم واضحة وجلية، وصاغتها الجماهير بدمائها وعرقها في الساحات:

إن عهد الصمت قد ولى، وإن دماء الأحرار وصيحات المتظاهرين السلميين هي من سترسم ملامح المرحلة القادمة. لن تفلح قوات القمع، وستسقط الأيادي المرتعشة، ولن يعود هذا الشعب إلى بيوته إلا باستعادة قراره وسيادته الوطنية الكاملة، وكنس كل المرتزقة والفاسدين الذين باعوا أرضهم وأهلهم لقوى الوصاية الخارجية وصنعوا هذا الخزي الميداني.