مع تصاعد الحرب في غزة، يبدو وفق تقارير أميركية أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، قد يفقد السيطرة ويتعرّض لضغوط هائلة من داخل ائتلافه ومن منافسيه مثل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، كما أنه في ظل هذه البيئة الحافلة بالمخاطر، فإن الحل الدبلوماسي السلمي يبقى هو الأسلوب الأكثر حكمة لتجنّب المزيد من الاضطرابات وتمدّد الصراع الى المنطقة الأوسع، وهو السيناريو الذي حذّر منه مراقبون لـ “جسور” مؤكدين أنّ العراق عند مفترق طرق في قلب الشرق الأوسط في ظل الديناميكيات المعقّدة للصراع بين إسرائيل وحركة حماس.

ويقول متابعون إن الحكومة العراقية باتت في أكثر اللحظات إحراجاً أمام واشنطن، كونها انبثقت من خلال “الإطار التنسيقي” ولكنها لم تتمكن من الإيفاء بالتزاماتها، خصوصاً ما يتعلق بإيقاف الهجمات على المصالح الأميركية في البلاد، مما يشي باحتمالية تعقيد العلاقة بين واشنطن وبغداد بعد نحو عام على الهدوء النسبي.

استقرار العراق على المحك

وفي إطار كل ذلك، قال تقرير معهد “المجلس الأطلسي” الأميركي أن زيارة وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن الى بغداد في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني تعكس أهمية كبيرة كون العراق تأثّر وسيظل متأثّرا بحرب غزة، فالعراق يعتبر الدولة الوحيدة في المنطقة التي تستضيف الآلاف من الجنود الأميركيين والجماعات المسلحة المعارضة للولايات المتحدة والموالية لإيران تاريخيا، وهو ما يؤكد دور العراق الاستثنائي وغير المستقر في المشهد الجيوسياسي الأوسع.

وبعدما ذكر التقرير ان السوداني يواجه مأزقا صعبا، أوضح أنه يتحتم عليه تحقيق توازن دقيق بين مصالح الولايات المتحدة والجماعات المسلحة التي تعمل كشركاء داخل حكومته، مضيفا ان تقاعس السوداني عن تلبية مطالب مختلف الاطراف الفاعلة داخل العراق، لا يعد خيارا.

وفي هذا السياق، قال مستشار مؤسسة رؤى للدراسات، غانم العابد لـ “جسور”، إنه “بعد زيارة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى إيران، بدا موقف طهران واضحا، أن ليس لها علاقة بما تقوم به بعض الفصائل المسلحة باستهداف القواعد الأميركية، ويجب بالتالي على السوداني نفسه باعتباره القائد العام القوات المسلحة أن يوقف الهجمات المتكررة، لهذا وَجَد الأخير نفسه أمام كل هذه المشاكل.”

وأضاف العابد، أنّ “زيارة السوداني إلى أربيل هي محاولة لتقوية الوضع السياسي للحفاظ على حكومته كي تستمر طيلة الفترة القانونية، لكن المصادفة برأيه أنه بالتزامن مع زيارته إلى أربيل وإقليم كردستان العراق، إستهدف هجوم بطائرات مسيّرة قاعدة “حرير” حيث تتمرّكز القوات الأميركية هناك، ويبدو وفق العابد أنها رسالة من هذه الميليشيات إلى رئيس الحكومة مفادها أنّ استهداف القواعد الأميركية لن يتوقف، ونحن مستمرون بضربها في جميع المناطق التي تتواجد فيها داخل العراق.”

وتابع العابد: “زيارة رئيس الوزراء إلى إقليم كردستان تأتي في سياق طلب مساعدة الإقليم مع الولايات المتحدة، باعتبار أن إقليم كردستان هو صديق وطرف متحالف مع واشنطن وتربطهما علاقات عميقة منذ سنوات، لهذا كانت زيارته الأولى الداخلية إلى إقليم كردستان، لكن الأمور بدأت تتعقّد داخل العراق والمشهد أصبح مربكاً جدا، كما يبدو أن رئيس الحكومة غير قادر على إيقاف مسلسل استهداف القواعد الأميركية من قبل هذه الميليشيات، ما سيدفع بالسوداني إلى تقديم استقالته أو أن تتم إقالته من قبل الأطراف السياسية داخل “الإطار التنسيقي” لمحاولة تهدئة الوضع والحفاظ على المكتسبات السياسية.”

وأوضح العابد لـ “جسور”، أنّ “الأمور تتّجه إلى مزيد من التعقيد، خصوصا بعد الإقتتال الذي شهدته محافظة البصرة قبل يومين ما بين “سرايا السلام” التابعة لزعيم التيار الصدري السيّد مقتدى الصدر، و”عصائب أهل الحق” التابعة لـ قيس الخزعلي، هذا ناهيك عن تأكيد الولايات المتحدة الأميركية عدم سكوتها عن الإستهدافات التي تطال قواعدها في العراق، فدخول واشنطن بحسب العابد إلى مقاومة استهداف هذه الميليشيات سيجعل البلاد أمام صورة سوداوية قاتمة قد ينتج عنها فوضى لا تحمد عقباها.”

والأخطر من كل ذلك، يقول العابد إنّ “ما تقوم به المليشيات من توسيع رقعة الصدامات مع الولايات المتحدة مثلما حصل يوم أمس مع عودة العبوات إلى الموصل مستهدفة دورية مشتركة للقوات الأميركية ولجهاز مكافحة الإرهاب بالقرب من سدّ الموصل، والكل يعلم أنه منذ طرد تنظيم داعش من الموصل عام 2017 لم تقع سوى حادثة وحيدة في جامعة الموصل، وهذا التوسّع سيدخل محافظات كثيرة في دائرة الصراع، وإذا لم تجهد الأجهزة الأمنية لإيقاف هذه الهجمات، فهذا حتما سيسمح لجهات إرهابية أخرى بالدخول إلى ساحة النزاع.”

مأزق السوداني

ويرى مراقبون أن تلك التطورات داخل الأراضي العراقية وضعت حكومة السوداني وباقي السلطات العراقية في مأزق، في ظل الاتفاقات الموقعة مع الجانب الأميركي والسيطرة الإيرانية على الداخل والقرار العراقي. وأكدوا أن ذلك يعني أن السوداني يواجه صعوبة كبيرة في المواءمة بين المصالح والأهداف الأميركية والإيرانية في العراق، وأن زيارة وزير الخارجية أنتوني بلينكن، للعراق ربما حملت رسائل قوية لبغداد وتهديدات إذا تخطت ضربات المقاومة قواعد الاشتباك.

من جهته، يرى رئيس مركز “التفكير السياسي” إحسان الشمري أن زيارة بلينكن لبغداد “تؤشر بصورة واضحة إلى القلق الأميركي المتزايد من احتمالية توسع دائرة الصراع في الشرق الأوسط لتشمل العراق وسوريا”، مبيناً في اتصال مع “جسور” أن واشنطن تبدو “قلقة جداً ليس فقط من تصاعد الهجمات على قواعدها، بل من احتمالية أن يرتفع منسوب الإستهداف إلى عمليات قتل لجنودها في البلاد”.

ويبدو أن إمكان أن تؤدي العمليات التي تشنها الجماعات المسلحة إلى قتل عسكريين أميركيين ستمثل “نقطة تحول كبرى في الصراع الدائر”، وفق الشمري الذي يعتقد بأنها “ستنعكس بصورة مباشرة على الأجواء السياسية العراقية”.

ويتابع أن واشنطن لا تنظر إلى تعقيدات الأجواء السياسية في البلاد وتشعب مصادر القرار داخل السلطة، وهذا الأمر ربما يؤدي في النهاية إلى “كسر ربيع العلاقة بين حكومة السوداني والإدارة الأميركية، خصوصاً أن واشنطن تفرض على السوداني شروط إقناع شركائه بالتوقف عن الاستهدافات، كونه القائد العام للقوات المسلحة”.

ويوضح أن ذهاب السوداني إلى طهران عقب زيارة وزير الخارجية الأميركي يعطي انطباعاً واضحاً للإدارة الأميركية بأنه “غير قادر على كبح جماح تلك الجماعات”، مما اضطره في النهاية إلى “الحديث مع صانعي القرار في إيران بصورة مباشرة للضغط عليهم”.

ويختم الشمري أن استمرار الصراع الدائر في البلاد من دون حلول سيدفع واشنطن في النهاية إلى “اتخاذ خطوات لا تتوقف عند حدود الردع العسكري، بل ستشمل إجراءات أخرى ربما تؤثر في معادلة وجود الإطار الشيعي في السلطة”.

صعوبة المواءمة

يقول مصدر متابع لـ “جسور” فضّل عدم الكشف عن هويته إنه من الصعب جدا على السوداني تحقيق توازن في العلاقات مع كل من طهران وواشنطن، نظرا لما يجري على أرض الواقع.

وأضاف: “نفوذ إيران يتسّع ويتعمّق في العراق، وفقا لتصريحات الجنرال إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس الإيراني، وفي نفس الوقت هناك ارتباط شراكة استراتيجية واقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية وأمنية مع أميركا، وحلف شمال الأطلسي والعديد من الاتفاقيات مع الدول الغربية، علاوة على اتفاقات التسليح وغيرها، ما يجعل المواءمة بالغة الصعوبة”.