عدن بلس|خاص
في مدينةٍ أنهكها الحرّ والانهيار المعيشي، لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد أزمة خدمات عابرة، بل تحوّل إلى عنوان يومي لمعاناة تتسع مع كل ساعة ظلام جديدة تضرب عدن وبقية المحافظات الجنوبية. وبينما ينتظر المواطن حلولًا تخفف من أعباء الحياة القاسية، تتصاعد موجة الغضب الشعبي تجاه سلطة تبدو ـ في نظر كثيرين ـ أكثر انشغالًا بتوسيع دوائر النفوذ السياسي وشراء الولاءات من اهتمامها بمعالجة الانهيار الخدمي الذي يلامس تفاصيل حياة الناس كل يوم.
وفي خضم هذا الاحتقان، تتزايد الأصوات المنتقدة لما تعتبره “فشلًا إداريًا وسياسيًا” انعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي، خصوصًا مع استمرار تدهور الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، في وقت يعيش فيه المواطنون أوضاعًا توصف بأنها من الأسوأ منذ سنوات. فالمشهد في عدن لم يعد يحتمل المزيد من الوعود المؤجلة، بعدما أصبحت ساعات الانطفاء الطويلة جزءًا من الحياة اليومية، وسط عجز واضح عن تقديم حلول حقيقية ومستدامة.
ويرى مراقبون أن الأزمة تجاوزت حدود الإخفاق الخدمي لتكشف عن حالة صراع سياسي داخلي باتت تلقي بظلالها الثقيلة على مؤسسات الدولة، حيث تُتهم أطراف نافذة بتسخير إمكانيات السلطة لتصفية الحسابات السياسية وبناء شبكات ولاء جديدة، بينما تتراجع أولويات المواطن إلى آخر القائمة. هذا الواقع خلق شعورًا متزايدًا لدى الشارع بأن معاناته لم تعد أولوية لدى المسؤولين، وأن الاهتمام ينصب أكثر على إعادة ترتيب النفوذ داخل المشهد السياسي.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتفاقم معاناة السكان بشكل غير مسبوق، خصوصًا في الأحياء التي تعيش ساعات طويلة بلا كهرباء أو مياه، ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى مواجهة ظروف معيشية قاسية في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. وفي المقابل، يتزايد الجدل حول أسباب استمرار هذا الانهيار رغم الوعود المتكررة بخطط إنقاذ وتحسين للخدمات لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن الشارع الجنوبي بات أكثر حساسية تجاه أي مظهر من مظاهر الإنفاق السياسي أو التحركات المرتبطة ببناء التحالفات والولاءات، في وقت يشعر فيه المواطن بأن أبسط حقوقه الأساسية تُهمل بصورة متعمدة أو عاجزة. كما أن حالة الاحتقان الشعبي تتغذى يومًا بعد آخر من غياب الشفافية، واستمرار تبادل الاتهامات بين القوى السياسية والحكومية دون أن ينعكس ذلك بأي تحسن فعلي على الأرض.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو عدن وكأنها عالقة بين أزمات متراكمة وصراعات نفوذ مفتوحة، بينما المواطن وحده يدفع الثمن. فكلما اتسعت الهوة بين السلطة والناس، ازداد الشعور العام بأن معركة الخدمات لم تعد أولوية لدى صناع القرار، وأن السياسة باتت تُدار بمنطق الكسب والخسارة بين القوى المتصارعة، لا بمنطق المسؤولية تجاه شعب يعيش تحت ضغط الانهيار الاقتصادي والخدمي.
ومع استمرار هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت السلطات ستتمكن من احتواء موجة الغضب المتنامية عبر خطوات حقيقية تعيد الثقة المفقودة، أم أن حالة السخط الشعبي ستتوسع أكثر في ظل شعور متزايد بأن الأزمات تُدار بمنطق سياسي ضيق، فيما تغرق المدن في الظلام وتزداد معاناة الناس يومًا بعد آخر.
تعليقات الزوار ( 0 )