عدن بلس|خاص
في الخامس والعشرين من مايو من كل عام، يستحضر أبناء الجنوب بكل فخر واعتزاز واحدة من أعظم المحطات الوطنية في تاريخهم المعاصر، وهي ذكرى تحرير محافظة الضالع من المليشيات الحوثية الغازية عام 2015، تلك المعركة التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت منعطفاً تاريخياً ومشروعاً وطنياً لاستعادة الكرامة والدفاع عن الأرض والهوية الجنوبية.
لقد كانت الضالع، بتاريخها النضالي وموقعها الاستراتيجي، أولى المحافظات التي وقفت في وجه المشروع الحوثي القادم بقوة السلاح لإسقاط الجنوب وإخضاعه، فكانت جبهة الضالع عنواناً للصمود والتحدي، وقلعة مقاومة كسرت أوهام التوسع الحوثي، ورسخت معادلة جديدة مفادها أن الجنوب لن يقبل العودة إلى دائرة الهيمنة والقوة المفروضة.
منذ اللحظات الأولى لاجتياح المليشيات الحوثية والقوات المتحالفة معها لمناطق الجنوب في عام 2015، أدرك أبناء الضالع أن المعركة لم تكن تستهدف مدينة أو محافظة بعينها، بل تستهدف قضية شعب وهوية وطن وتاريخ أمة كاملة. ولهذا هب أبناء الضالع، رجالاً وشباباً، إلى ميادين المواجهة دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم، في ظل ظروف عسكرية وإنسانية معقدة، وفي وقت كانت فيه المؤسسات الرسمية شبه غائبة والانهيار الأمني والعسكري يضرب مختلف المناطق.
ورغم فارق الإمكانيات العسكرية آنذاك، استطاعت المقاومة الجنوبية في الضالع أن تصنع ملحمة بطولية خالدة، حيث واجه المقاومون ببسالة غير مسبوقة الآليات الثقيلة والقصف العنيف والحصار المفروض على المدينة، مقدمين مئات الشهداء والجرحى في سبيل الدفاع عن الجنوب.
لقد لعبت القيادات الجنوبية الميدانية والسياسية دوراً محورياً في تنظيم صفوف المقاومة وتوحيد الجهود العسكرية والشعبية، وأسهمت في تحويل حالة الغضب الشعبي إلى مشروع مقاومة منظم استطاع أن يحقق أول انتصار استراتيجي ضد الحوثيين في الجنوب. وكانت الضالع بالفعل البوابة الأولى التي انكسرت عليها موجات التمدد الحوثي.
كما أن الدعم والإسناد الذي قدمته قوات التحالف العربي، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، أسهم بشكل كبير في تعزيز قدرات المقاومة الجنوبية، سواء من خلال الإسناد العسكري أو التدريب أو الدعم اللوجستي، وهو ما ساعد لاحقاً على بناء قوات جنوبية منظمة لعبت دوراً محورياً في تحرير محافظات الجنوب الأخرى.
إن تحرير الضالع لم يكن نهاية المعركة، بل كان بداية مرحلة جديدة من العمليات العسكرية التي امتدت لتحرير عدن ولحج وأبين وشبوة وأجزاء واسعة من حضرموت، حيث تحولت المقاومة الجنوبية من حالة دفاعية إلى قوة وطنية منظمة تحمل مشروع الدفاع عن الجنوب واستقراره.
وقد أثبت أبناء الجنوب خلال تلك المرحلة أنهم يمتلكون إرادة سياسية وشعبية وعسكرية قادرة على حماية أرضهم وصناعة مستقبلهم، رغم كل التحديات والمؤامرات ومحاولات إغراق الجنوب في الفوضى والصراعات الجانبية.
إن ذكرى تحرير الضالع اليوم لا تمثل مجرد مناسبة احتفالية، بل تمثل رسالة سياسية ووطنية عميقة تؤكد أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والتضحية قادرة على صناعة الانتصار مهما كانت الظروف. كما تؤكد أن قضية الجنوب ظلت حاضرة في وجدان أبنائه الذين قدموا التضحيات الجسام دفاعاً عن الأرض والهوية والكرامة.
وفي هذه الذكرى العظيمة، يستذكر أبناء الجنوب بكل وفاء أرواح الشهداء الذين سقطوا في جبهات الضالع وعدن ولحج وأبين وشبوة، وكل الجبهات الجنوبية، أولئك الذين صنعوا بدمائهم طريق الحرية والكرامة للأجيال القادمة.
كما أن هذه المناسبة الوطنية تفرض على الجميع مسؤولية الحفاظ على المكتسبات الوطنية وتعزيز وحدة الصف الجنوبي والعمل بروح الشراكة الوطنية لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تمر بها المنطقة، بعيداً عن الانقسامات والصراعات التي لا تخدم إلا أعداء السلام والاستقرار.
لقد أثبتت الضالع أنها ليست مجرد محافظة جنوبية، بل مدرسة وطنية في الصمود والتضحية، وعنوان دائم للإرادة الشعبية التي لا تنكسر، وستظل ذكرى تحريرها محطة مضيئة في تاريخ الجنوب الحديث ورمزاً من رموز الكفاح الوطني.
وفي الختام، فإن الوفاء الحقيقي لتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى يكون بالعمل من أجل بناء دولة يسودها القانون والعدالة والشراكة الوطنية، دولة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه وتحقق الأمن والاستقرار لشعب الجنوب والمنطقة بأكملها.
المجد والخلود للشهداء
الشفاء للجرحى
والحرية للوطن والإنسان
د/عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري
باحث اجتماعي وناشط سياسي
25 مايو 2026
تعليقات الزوار ( 0 )