عدن بلس |خاص
في إطار اتصال هاتفي جمع بين ناشطين سياسيين جنوبيين، أحدهما مقيم في المملكة المتحدة والآخر في الجمهورية الفرنسية، جرى نقاش معمّق حول طبيعة حوارات الرياض ومستقبل العملية السياسية في اليمن، في ظل التعقيدات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما أفرزته سنوات الحرب من تحولات سياسية وعسكرية غيّرت موازين القوى على الأرض.
وخلال هذا النقاش، تم التأكيد على أن الحوارات السياسية لم تعد مجرد لقاءات بروتوكولية أو مناسبات دبلوماسية عابرة، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لطبيعة الأزمة اليمنية المركبة، ولحجم التحولات التي فرضتها الوقائع الميدانية والتوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.
وقد خلص النقاش إلى أن الحاجة إلى الحوار تختلف من حيث الدوافع والأهداف بين القوى الشمالية والقوى الجنوبية، رغم أن الجميع بات مضطرًا للانخراط في مسارات التفاوض تحت ضغط المتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ففي الشمال، تبدو الحوارات محاولة لإعادة إنتاج صيغة سياسية تحفظ ما تبقى من مؤسسات الدولة اليمنية، وتمنع مزيدًا من الانهيار والتشظي، خصوصًا في ظل استمرار الصراع مع جماعة الحوثي وتعقيدات المشهد الاقتصادي والعسكري. كما تدرك القوى الشمالية التقليدية أن استمرار الحرب دون تسوية سياسية شاملة سيؤدي إلى استنزاف طويل الأمد يهدد بنية الدولة والمجتمع معًا.
أما في الجنوب، فإن مقاربة الحوار تختلف بصورة جوهرية، إذ تنطلق قطاعات واسعة من أبناء الجنوب من رؤية سياسية تعتبر أن القضية الجنوبية تجاوزت كونها مجرد ملف حقوقي أو إداري داخل إطار الدولة اليمنية، وأصبحت قضية سياسية ذات أبعاد تاريخية وسيادية ترتبط بمستقبل الجنوب وهويته السياسية وحق شعبه في تقرير مصيره.
كما أشار النقاش إلى أن مشاركة القوى الجنوبية في أي حوار إقليمي أو دولي تُقرأ لدى الشارع الجنوبي باعتبارها اعترافًا سياسيًا بوجود قضية جنوبية مستقلة وطرف سياسي يمتلك حضورًا وتمثيلًا فعليًا على الأرض، وهو ما فرض نفسه على الحسابات الإقليمية والدولية خلال السنوات الأخيرة.
ومن منظور العلاقات الدولية، فإن المملكة العربية السعودية تدرك أن أي تسوية مستدامة في اليمن لن تكون ممكنة دون إشراك الفاعلين الجنوبيين بصورة مباشرة، خاصة بعد التحولات العسكرية والسياسية التي أفرزت واقعًا جديدًا في جنوب البلاد، الأمر الذي جعل من الصعب التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد امتداد إداري ضمن المعادلة التقليدية السابقة.
وفي المقابل، لا تزال بعض القوى الشمالية تنظر إلى الحوار باعتباره وسيلة للحفاظ على وحدة الدولة اليمنية بصيغتها القديمة، وهو ما يخلق فجوة واضحة في الرؤى السياسية بين الطرفين. إلا أن هذه الفجوة لا تعني استحالة الوصول إلى تفاهمات سياسية، بقدر ما تؤكد أن أي عملية سلام حقيقية تتطلب الاعتراف بجذور الأزمة ومعالجة أسبابها الأساسية، بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها المؤقتة.
كما تم التأكيد خلال النقاش على أن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكًا بأن تجاهل القضية الجنوبية أو محاولة تجاوزها ضمن تسويات مرحلية قد يؤدي إلى إنتاج دورة جديدة من الصراع في المستقبل، وهو ما يجعل من الحوار الشامل والمتوازن ضرورة سياسية واستراتيجية لضمان الاستقرار الإقليمي طويل المدى.
وفي ختام الاتصال، تم التشديد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في عقد الحوارات، بل في القدرة على تحويلها إلى مسار سياسي عادل يوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار الإقليمي وحقوق الشعوب وتطلعاتها السياسية المشروعة، فالحلول التي تُبنى على الإقصاء أو فرض الرؤى الأحادية غالبًا ما تؤدي إلى أزمات مؤجلة لا إلى سلام دائم.
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا سياسيًا عقلانيًا ومسؤولًا يغلّب منطق السلام والشراكة على منطق الصراع، مع احترام الخصوصيات السياسية والتاريخية لكل طرف، لأن الحوار الحقيقي لا يُقاس بعدد الجلسات أو البيانات الصادرة، بل بمدى قدرته على معالجة جذور الأزمة وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة لجميع الأطراف.
د/عبدالرقيب عبدالرحمن مسعد قحطان العطري الحريري
باحث اجتماعي وناشط سياسي
باريس – الجمهورية الفرنسية
والأستاذ
شارد مثنى مصلح الشعيبي
ناشط سياسي
لندن – المملكة المتحدة
29/5/2026
تعليقات الزوار ( 0 )