د/ حسين العاقل

هبطت فاجعة الرحيل من سماء خالق الكون العظيم، على مشاعر حياتنا كالكارثة التي زلزلت الأرض فهدت بعنفها راسيات الجبال العالية، وبالمثل كانت كارثة رحيل ذلك الإنسان المسكون في خلجات قلوبنا بقيم أخلاقياته المشهودة بصفات النزاهة والعفة والتواضع الجم، والمتميزة بأصالة النقاء والعطاء والتفاني في خدمة وطنه وشعبه، والمجردة من نزوات الذاتية وهيلمان عيوب الشطحات السلطوية الممقوتة.
نعم كان فينا من شاء له الله بالرحيل إلى عالم الخلود الأبدي، الدكتور أحمد علي ناجي الخيلي، اسم تتجلى فيه بعض سمات القداسة الخاصة بالتقدير والاحترام في نفوس وضمائر كل من عرفه وشاء له الحظ التعايش معه، والتأثر بما حبه الله فيه من تلك الصفات الإنسانية، التي جعلت منه مثالا للمناضل المخلص لمهامه الطبية والصحية في خدمة أبناء شعبه الجنوبي، وتحسين خدمات مطلبات حياتهم العلاجية، على مدى أكثر من أربعة عقود وضع فيها لمساته الخالدة في مرحلة التطور والنهضة الصحية في كل من محافظات لحج وعدن والضالع، والتي لم تقتصر على ما شهدته تلك المحافظات خلال تلك المرحلة من بناء المستشفيات والوحدات الصحية الحديثة فحسب، وإنما في الحرص الدائم على ترسيخ نظام الرعاية الحكومية، في تزويدها بالأدوية والمستلزمات الطبية وتقديم خدماتها العلاجية لعامة الشعب مجانا.

ولد فقيدنا الخالد د. أحمد علي ناجي الخيلي في مدينة العوابل عاصمة مديرية الشعيب في عام 1954م وفيها عاش في كنف أسرة متوسطة الحال في دخلها الاجتماعي، كما عاش طفولته في ظل ظروف اجتماعية ريفية يسودها التخلف الثقافي والحرمان المادي، وقساوة الأحوال الطبيعية القائمة معيشتها على زراعة المحاصيل الغذائية المعتمدة في إنتاجيتها على ما تجود به رحمة الله من الأمطار الموسمية الصيفية، التي تتصف عادة بشحتها وعدم انتظام هطولها من سنة إلى أخرى، وعليها وعلى مدى ما تحتاجه تلك المساحات الزراعية المحدودة من جهود عملية ومن رعاية وحماية وصيانة، كان على سكان المديرية ومنهم أطفال ذلك الواقع الاجتماعي أن يتعلموا ممارسة حرفة الزراعة منذ سنوات طفولتهم الأولى، وكان ذلك الواقع هو نفس واقع جيل فقيدنا الراحل الذي أكتسب منه حب العمل واتقانه فضلا عن قيم التربية المستلهمة من التقاليد والعادات الحميدة، وبفعل فطرة رغباته الذاتية، فقد كان من أوائل التلاميذ في مديرية الشعيب الذين شاء لهم الحظ دخول صفوف التعليم الابتدائي في مدرسة العوابل الأبتدائية، التي بنيت كأول مدرسة في مركز الشعيب عام 1948م انذاك، حيث تدرج منها نحو انطلاقته العلمية، فتمكن بهمة عشقه المتدفق لقهر الظروف الاجتماعية ومتجاوزا بتحديه المعنوي لكل مشكلاتها ومعوقاتها الصعبة.

ومن سيرته حياة فقيدنا الذاتية وتتبع معوقات ذلك الجيل المتحمس لسبر أغوار دروب المجد والتأهيل العلمي، لإشباع رغباتهم في التحصيل العلمي والتربوي والثقافي، وهذا يتبين لنا من خلال المتاعب التي واجهت فقيدنا الخالد بعد استكمال مرحلة الابتدائية في مدرسة العوابل، والانتقال منها نتيجة عدم وجود مقومات المراحل التعليمية العليا، لمواصلة دراسته للمرحلة المتوسطة في مدينة الوهط محافظة لحج، وبعدها انتقل إلى ثانوية عبود بمدينة الشيخ عثمان لاستكمال مرحلة الثانوية العامة، التي تخرج منها عام 1973م تقريبا.
وبعد التخرج تم تكليفه لتأدية واجب الخدمة الوطنية كمعلم في مدرسة النجمة الحمراء الخاصة بالبدو الرحل، وفي عام 1975م تم ترشيحه للدراسة الجامعية تخصص طب بشري في جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية، ولكن نتيجة الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة العربية، بفعل اتفاقية السلام ( كامب ديفد) التي وقع عليها كل من الرئيس المصري أنور السادات ورئيس وزراء الكيان الصهيوني مناحيم بيجن، حيث انقسمت الدول العربية فيما بينها بين دول مؤيدة ودول معارضة لاتفاقية كامب ديفد، فكانت دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من ضمن الدول العربية الخمس التي شكلت ما عرف حينذاك بدول (الصمود والتصدي) وضمت كل من (ليبيا والجزائر والعراق واليمن الديمقراطي ومنظمة التحرير الفلسطينية), ونتيجة تصاعد حالة الخلافات السياسية العربية، فقد أقدمت الحكومة المصرية على طرد وترحيل طلاب الدراسات العليا المنتمين لدول الصمود والتصدي ومنهم فقيدنا المغفور له د. أحمد علي ناجي الخيلي وزميله الفقيد الخالد الدكتور محمد صالح قائد الخيلي عليهما رحمة الله وغفرانه.

وفي عام 1976م تم الترتيب لهما لاستكمال دراسة الطب في جامعة اديس ابابا بجمهورية أثيوبيا.
وفور التخرج من دراسة الطب من جامعة أديس ابابا تم تعيين الفقيد د. أحمد علي ناجي طبيبا في مستشفى النصر بالضالع، وكان من أوائل كوادر الأطباء المؤهلين علميا، الذين كان لهم شرف الريادة في تحسين الخدمات الصحية في مديرية الضالع التي كانت تضم خمسة مراكز هي(الضالع، الحصين، الشعيب، جحاف، الأزارق).
ونظرا لما تميز به فقيدنا الخالد من نشاط مهني وتفان في خدمة ورعاية المرضى وإسهامه مع إدارة المستشفى حينذاك وارتقاء الأقسام التمريضية، فقد كلف بتحمل مهام عدة منها إدارة الخدمات الصحية في مديرية ردفان، ثم مدير عام للخدمات الصحية في محافظة لحج، ثم عين مديرا عاما للخدمات الصحية في محافظة عدن، ونظير تلك الجهود والنجاحات التي اتصف بها الفقيد أحمد علي ناجي، فقد عين وكيلا لوزارة الصحة والسكان إلى جانب تكليفه مديرا عاما للخدمات الصحية في محافظة الضالع.

ومن أجمل الصفات الإنسانية والوطنية التي كان يتصف بها فقيدنا الخالد د. أحمد علي ناجي، أنه كان يمقت عبثية تسييس المهن الخدماتية والاجتماعية، ولا يميل شخصيا للعمل السياسي، وكان رحمه الله يستشعر بعيوب ومخاطر الصراعات السياسية، الأمر الذي مكنه أن ينأى بنفسه من دوامة الصراعات الدموية العبثية وغير المبررة التي شهدها مجتمعنا الجنوبي في مرحلة ماقبل كارثة (الوحدة أو الموت) أو ما بعد جريمة حرب احتلال المحافظات الجنوبية واستباحة سيادة أراضيها في صيف 1994م.

ومن أهم المواقف المشهودة التي يمكننا الاستشهاد بها، وكانت مثالا لمدى نزاهة وعفة الفقيد ومقته لمظاهر التبجيل وتزييف الوقائع أو التكريم بما لا يستحقه الإنسان في حياته الشخصية، فالفقيد كان خلال مرحلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني في ستينيات القرن الماضي طالبا في المرحلة الإعدادية ونشيطا متحمسا في الحركة الطلابية والشبابية، التي أسهمت في مهام سرية لمناهضة الاستعمار البريطاني، ومنها توزيع المنشورات السياسية في الأماكن العامة بمدينة العوابل عاصمة مشيخة الشعيب وغيرها.

وبعد الاستقلال المجيد في 30 نوفمبر1967م، وبعدة سنوات عدة وعلى وجه الخصوص حينما صار الدكتور أحمد علي ناجي اسما مشهورا بصفاته الحميدة وعلاقاته الاجتماعية المتواضعة وعنايته برعاية مرضاه وجدارته في تحمل مسؤولياته الإدارية والتمريضية، فقد كان اسمه من ضمن قائمة المكرمين من قبل دولة جمهورية اليمن الديمقراطية التي منحتهم وسام ثورة 14 أكتوبر المجيدة، لكنه حين أبلغ بذلك التكريم سارع بالاعتذار قائلا: وسام الثورة يقلد به الثوار الفدائيون الذين حملوا السلاح وخاضوا معارك المواجهة ضد الاستعمار البريطاني وحققوا الاستقلال الوطني، ويستحقه الشهداء والجرحى والمعتقلون وكل من كان لهم أدوار أكثر منا نضالا وتضحية.
والموقف المشرف الذي ما زلت أتذكره ويتذكره كثيرون ممن عرفوا خصوصية طبعه الشهم وسلوكه الحر المفعم بروح العزة والكرامة، فقد قدمت له سلطة الاحتلال اليمني المتخلف بعد 1994م، إغراءات كثيرة لتوليه مناصب عليا في وزارة الصحة والسكان مقابل أن يقبل بعضوية المؤتمر الشعبي العام، وهنا يأتي الموقف الشجاع والمشرف للفقيد رحمه الله بالرفض القاطع لذلك التخيير المشروط بالتلوث السياسي، الذي صار به قدوتنا ورمزنا تجسدت به أروع معاني الوطنية والإنسانية والسياسية.

وفي الأخير يحق لي شخصيا وكل من عرف وعايش بعضا أو جزء من حياة فقيدنا الخالد، أن يقف وقفة إجلال واحترام وتقدير لذلك الإنسان النظيف العفيف والنزيه، الذي نشهد الله بأنه الرغم من المغربات والمناصب التي عرضت له، إلا أنه عاش حياة التواضع وطهارة الروح، ومات متوجا بحب الناس، لم تطال يداه مكاسب البسط والاستحواذ، ولا نزوات الأطماع الذاتية القذرة، حيث ترك له إرثا عظيما من رأسمال التقدير والاحترام.
ولا يسعني في هذا المقام الجليل إلا أن أعبر عن أصدق التعازي وعظيم المواساة لأخيه المناضل اللواء مطهر علي ناجي الخيلي، ولأبنائه الأحباء علي وتوفيق ولأهله وذويه ومحبيه وأصدقائه وجميع ٱل الخيلي في الداخل والخارج.

ودعواتنا له من الله العلي العظيم الرحمة والغفران وأن يسكنه فسيح جنة الفردوس الأعلى مع عباده الأنبياء والشهداء والصالحين، إنه سميع مجيب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المكلوم/ الدكتور حسين مثنى العاقل
في يوم الوداع الجمعة، الموافق 22 يوليو 2022م.